صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر |
وذكر الحافظ نجم الدين عمر بن فهد في تذكرته المسماة نور العيون بما تفرق من الفنون قال لما كنت بالقاهرة المحروسة سنة ست وثلاثين وثمانمائة ورد إليها القاضي أبو البركات بن علي بن ظهيرة ساعيا لأخيه أبي السعادات في عوده لمنصبه قضاء الشافعية وصحبته سؤالان معناهما أن رجلين من طلبة العلم الشريف بها تنازعا في مسئلة فرضية فقصد أحدهما بالسؤال عنها أخاه أبا السعادات وامتنع الآخر فحلف الأول بالطلاق الثلاث أنه ليس بمكة وأعمالها أحد أعلم منه فهل يقع على الحالف حنث أم لا وهل بالبلد من يساوي المشار إليه في العلم أو يفوقه فأجاب شيخ الإسلام الحافظ الشهاب أحمد بن حجر العسقلاني الكناني والإمام السنباطي بعدم الحنث وأطلق الأول بانفراده في وقته وعدم مساواته فضلا عن أن يفوقه أحد في بلده وقيد الثاني بأنه إذا سئل في الفقه أجاب في الحال من الرافعي والروضة أو في الأصول فمن ابن الحاجب والبيضاوي وكذا الحديث والتفسير كما شاهده منه في مجاورته ببلده فلما اطلع على السؤالين وجوابهما الإمام أبو المعالي المحب الطبري كتب في سنة سبع وثلاثين وثمانمائة قصيدة لأمية من نظمه إلى الحافظ ابن حجر مضمونها الإنكار عليه وعلى السنباطي في الفتيا وهي هذه (2/109)
يقبل الأرض عبد قد أحبكم ... طفلا وفي كبر في الحب ما عدلا
ويسأل الله أن يحظى برؤيتكم ... على الصفا فعسى أن يبلغ الأملا
يا واحد العصر خذ منا مراسلة ... تشكو لما قد حكى عنكم وما حصلا
من مكة صدرت تشكو لخالقها ... أيضا وتروى لكم عن ألسن الفضلا
ما بال سيدنا ولت أنامله ... والله تلك لعمري زلة العقلا
جاءت لمكة فتيا قد جزمت بها ... بأن أفضلها هذا الذي خذلا
وقلت هذا طلاق لم يقع ولقد ... قال المحق طلاق الأحمق اتصلا
إن كان أعلمها من قد ذكرت فقد ... صارت بلا عالم والعلم قد هزلا
رام التراقي إلى العليا فأنزله ... ذا الدهر من طيشه لا زال مستغلا
قد أوقع الحبر فيما ليس شيمته ... كان الإمام عن التحريف منعزلا
ارجع هداك الذي أعطاك منزلة ... عن ذي المقالة والأمر الذي نقلا
ما يحمد الله في الدين الهوى ولقد ... دم الذي بالهوى قد كان مشتغلا
هلا كتبتم أدام الله دولتكم ... مثل السباطي إذ من أكلة وحلا
خذ زادك الله حرصا ذكر سيرته ... عن واحد لم يزد فيها ولا جهلا
أبو السعادات هذا من شبيبته ... وفي كهولته ما حاز قط علا
لم يأخذ العلم عن شيخ يعرفه ... وجه الصواب ولا أصغى ولا قبلا
يفتى من الكتب إن أخطا فعادته ... وإن أصاب فوجه الذم ما جهلا
والنحو لم يدر فيه قط مسئلة ... مثل الحمار إذا ما فيه قد سئلا
كذا الأصول إذا ما قلت مبحثه ... ينشى الرياسة إذ كانت له شغلا
علم الفرائض لم يحسن لمسئلة ... منه ولا لحساب الأصل قد عملا
قد ضيع العمر حسد اللملا وله ... عجب وكبر وحقد بئسما فعلا
أضحى بمكة يؤذى الخلق من حمق ... وليس في الناس شخص من أذاه خلا
له مثالب أخرى غير ما ذكرت ... أني عقلت لساني عنه فانعقلا
جميع جيران بيت الله يعقلها ... إن اتهمت فسل عن ذاك من عقلا
فكيف ينسب من هذا له صفة ... بأنه عالم والحال ما نقلا
فكن رعاك الإله اليوم معتذرا ... عما جنيت وقل والله قد جهلا
الله يبقى لنا هذا المليك لقد ... أراح مكة من أحكام من عزلا
كانت ولايته للحكم نازلة ... والحمد لله عنا زال ما نزلا
أستغفر الله في تقصيرها فلقد ... جاءت بذب لما بالناس قد حصلا
وصل رب على المختار من مضر ... وآله وأجب يا خير من سئلا
كذلك الصحب والأتباع ما طلعت ... شمس ولاح ضياء الأفق أو أفلا (2/110)
وقد أطلقنا عنان القلم في ميدان المداد وإن كان ليس من شرطنا المراد إذ الحديث شجون والكلام يجر بعضه بعضا هذا وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني المذكور في بعض كتبه أن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول قال وما علمت عصرا سلم أهله من ذلك غير عصر الصحابة والتابعين انتهى كلامه قلت وفي قوله غير هصر الصحابة والتابعين تأمل إذ لم يسلموا أيضا من ذلك كما يعرفه من طالع سيرهم فالظاهر العموم ولعل كلامه مبنى على الأكثر والغالب لقلته فيهم بالنسبة لمن بعدهم والله تعالى أعلم عبد القادر بن محمد بن أبي الفيض السيد الأفضل أبو محمد المعروف بابن قضيب البان يتصل نسبه بأبي عبد الله الحسين قضيب البان الموصلي من أولاد موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين والحسين قضيب البان المذكور صاحب الكرامات المشهورة ذكره كثير من النسابة والمؤرخين وهو الذي كان صحب الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وزوج الشيخ عبد القادر ابنته المسماة بخديجة السمينة لأبي المحاسن على ولد الشيخ قضيب البان المذكور وكانت قبل تحت ولد الشيخ عبد الرحمن الطنشونجي فمات عنها جده وتزوجها بعده أبو المحاسن على المذكور واستولدها ذكر ذلك عبد الله بن سعد اليافعي وشيخ الشرف في كتابيهما فيكون نسب السيد عبد القادر صاحب الترجمة متصلا بحضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني من ابنته خديجة السمينة وبحضرة الشيخ قضيب البان من ولده أبي المحاسن على المسطور وهذا السيد هو أكبر أهل وقته وفريد أقرانه ولد بحماه وهاجر به أبوه إلى حلب وتوطن بها إلى سنة ألف وفيها حج إلى بيت الله الحرام وجاور بمكة إلى حدود سنة اثنتى عشرة بعد الألف ومنها توجه إلى القاهرة بإشارة القطب وكان شيخ الإسلام يحيى بن زكريا قاضيا بمصر فزاره وكان معتقدا على المشايخ والأولياء فبشره بمشيخة الإسلام وبايعه على الطرق الثلاثة النقشبندية والقادرية والخلوتية ثم أقره على طريق النقشبندية وأمره بالاشتغال بالذكر القلبي وله معه كرامات ومكاشفات ولما ولى الإفتاء وجه إليه نقابة حلب وديار بكر وما والاهما مع قضاء حماه بطريق التأبيد برتبة مكة المكرمة فلم يقبل القضاء والرتبة واعتذر عن عدم قبوله وقبل النقابة لكونها خدمة آل الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر نقيبا بحلب إلى أن مات وكان له كرامات شهيرة وأحوال باهرة وألف التآليف الحسنة الوضع الدالة على رسوخ قدمه في التصوف والمعارف الإلهية من جملتها الفتوحات المدنية ألفها على وتيرة الفتوحات المكية والمدنية للشيخ الأكبر ابن عربي وفيها يقول شيخ الإسلام ابن زكريا المذكور مقرظا عليها بقوله
فتوحات شيخي غادة مدنية ... كستها نفيسات العلوم ملابسا
فلا عجب لو تشتهيها نفوسنا ... وأبحاثها أبدت إلينا نفائسا
فلله در الشيخ أكبر عصره ... بأنفاسه لا زال يحيي المجالسا
وله كتاب نهج السعادة في التصوف وناقوس الطباع في أسرار السماع وسرح أسماء الله الحسنى ورسالة في أسرارا الحروف وكتاب مقاصد القصائد ونفحة البان وحديقة اللآل في وصف الآل وكتاب المواقف الإلهية وعقيدة أرباب الخواص وغير ذلك ما ينوف على أربعين تأليفا وله ديوان شعر كله في لسان القوم وله تائية عارض بها تائية ابن الفارض وقد شرحها العلامة إبراهيم بن المنلا المقدم ذكره شرحا لطيفا ومن لطائف شعره قوله
أرى للقلب نحوكم انجذابا ... لأسمع من جنابكم خطابا
فكم ليل بقربكم تقضى ... إلى سحر سجودا واقترابا
وكم من نشوة وردت نهارا ... فلا خطأ وعيت ولا صوابا
وكم سحت علينا من نداكم ... غيوث لا تفارقنا انسكابا
وكم نفحات أنس أسكرتنا ... بها حضر الصفا والقبض غابا
توافقت القلوب على التداني ... فلم نشهد به منكم حجابا
لقد حاز الولى بكل حال ... من الرحمن فيضا مستطابا
تراه بين أهل الأرض أضحى ... لداعي الحب أسرعهم جوابا
وغير الله ليس له مراد ... وغير حماه لا يرجو انتسابا (2/111)
ومن رقيقه قوله
سقاني الحب من خمر العيان ... فتهت بسكرتي بين الدنان
وقلت لرفقتي رفقا بقلبي ... وخاطبت الحبيب بلا لسان
شربت لحبه خمرا سقاني ... كصحبي فانتشى منها جناني
شطحت بشربها بين الندامى ... ورشدي ضاع مما قد دهاني
فأكرمني وتوجني بتاج ... يقوم بسره قطب الزمان
وأمرني على الأقطاب حتى ... سرى أمري بهم في كل شان
وأطلعني على سر خفي ... وقال الستر من سر المعاني
فهام أولو النهي من بعد سكرى ... وغابوا في الشهود عن المكان
مريدي لا تخف واشطح بسرى ... فقد أذن الحبيب بما حباني
وقوله
نظرت إليك بعين الطلب ... ومنك اذن طلبي والسبب
رأيتك في كل شيء بدا ... وليس سواك لعيني حجب
فأنت هو الظاهر المرتجى ... وأنت هو الباطن المرتقب
وأنت الوجود لأهل الشهود ... وأنت الذي كل شيء وهب
وعيني بعينك قد أبصرت ... لعينك في كل تلك النسب
ومن مقاطيعه قوله
ولقد شكوتك في الضمير إلى الهوى ... وعتبت من حنق عليك تجننا
منيت نفسي في هواك فلم أجد ... إلا المنية عند ما هجم المنا
وقوله
إذا امتد كف للأنام بحاجة ... فقوتها من عادة الهمة السفلى
ومن يك يستغنى عن الخلق جملة ... فيغنيه رب الخلق من فضله الأعلى
وقوله
إذا أسأت فأحسن ... واستغفر الله تنجو
وتب على الفور وارجع ... ورحمة الله فارجو
وله غير ذلك من لطائف القول وكانت ولادته بحماه في سنة إحدى وسبعين وتسعمائة وتوفى في حدود أربعين وألف بحلب عبد القادر بن محمد بن عمر العلمي المقدسي بن العارف بالله تعالى الشيخ محمد العلمي وقد تقدم ذكر تممة نسبه كان عبد القادر هذا من الصلحاء الأجلاء وكان من محاسن وقته ونوادره في لطف الطبع والتواضع والمعرفة وكان مشهورا بالصلاح وإليه كتب الإمام خير الدين الرملي في صدر كتاب قوله
لحضرة القطب وابن القطب سيدنا ... مختارنا العلمي دامت فضائله
مني سلاما كعد القطر أخصره ... وذاك نزر إذا نصت شمائله
وكانت وفاته نهار الأحد ودفن نهار الاثنين ثاني جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وألف بمدينة لد بضم اللام وتشديد الدال وهي القرية المشهورة قرب مدينة الرملة من نواحي البيت المقدس فيها يقتل الدجال فيما يزعمون
عبد القادر بن مصطفى الصفوري الأصل الدمشقي الشافعي المحقق الكبير كان من أساطين أفاضل عصره مشهور الذكر بعيد الصيت اتفق أهل عصرنا على جلالته وعظم شأنه ودينه وورعه وصيانته وأمانته وكان فقيها مفسرا محدثا أصوليا نحويا وعنده فنون كثيرة غيرها وكان منقطعا عن الناس كثير البلوى والأمراض أخذ بدمشق عن الشمس الميداني وغيره ثم رحل في صباه إلى مصر وأخذ بها عن البرهان اللقاني وأبي العباس المقرى والشيخ محمد بن النقيب البيروتي نزيل دمياط وجمع لنفسه مشيخة رأيتها وعليها خطه وأكثر الرواية فيها عن ابن النقيب المذكور ثم رجع إلى الشام ودرس بها وأفاد وانتفع به جماعة ثم سافر إلى الروم ومكث بها زمانا ولم يحصل على أمانيه فورد دمشق وأعطى بعد ذلك المدرسة البلخية ودار الحديث الأشرفية فسكنهما ودرس بهما مدة حياته وكان يدرس بالجامع الأموي فيحضره أعيان الطلبة الشافعية وأجل من انتفع به وحصل ودأب مولانا الشيخ العالم الصالح الورع تقي الدين بن شمس الدين السيد الحصني نفع الله به فإنه لازمه ستين وممن أخذ عنه صاحبنا الفاضل أحمد بن محمد الصفدي إمام الدرويشية المقدم ذكره وصاحبنا الأديب الفاضل زين الدين بن أحمد البصراوي وغيرهم وله تحريرات ورسائل كثيرة ووقفت له على تحرير علقه على عبارة الغزالي المشهورة فذكرتها هنا لما فيها من الفائدة والعبارة هي قوله ليس في الإمكان أبدع مما كان وكان بعض الطلبة سأله عنها فأجاب بما نصه اعلم أيها الأخ أن المحال على قسمين أحدهما محال لذاته والثاني محال لغيره فإن الممكن قد يصير محالا لغيره أو واجبا لغيره مثاله بعث الموتى من قبورهم ممكن في حد ذاته لأنه إذا خلى العقل ونفسه حكم بجوازه لكن لما أخبر سبحانه صار واجب الوقوع بالنظر إلى خير الله تعالى لا يتخلف عدمه وصار محالا لغيره بهذا الاعتبار إذا تقرر لك هذا علمت أن ما قاله حجة الإسلام حق وإيضاحه إنما هو بعد أن تعلم أن علم الله تعالى قديم وأنه تعلق في الأزل بأن الممكن الذي وجد يوجد في أي زمان وفي أي مكان وعلى أي صفة وحينئذ فوقوعه على خلاف ما تعلق به العلم محال لغيره لأنه لو وقع على خلاف ذلك لزم انقلاب العلم جهلا وإنه محال في حق الحكيم الخبير العليم القديم والإرادة والقدرة تعلقهما بالممكن إنما يكون على وفق تعلق العلم القديم به وحينئذ تعلم أن عدم إمكان أبدع مما كان ليس فيه نسبة الجهل ولا نسبة العجز إلى الملك الديان وكيف يظن ذلك بحجة الإسلام التي ملأت معلوماته الدنيا بل عدم إمكانه إنما هو لعدم تعلق الإرادة والقدرة به لما يلزم عليه من المحال فتدبر ذلك يندفع عنك خيال أوهام من لم يعلموا مواقع الكلام ولم يذوقوا دقائق العلوم بل مطمح أنظارهم اعتراض أكابر العلماء والطعن على ورثة الأنبياء كأنهم صاروا لهم ضدا فصرف الله تعالى أذهانهم عن الوصول إلى غوامض المعاني وتمسكوا بظواهر المباني ومن أجاب بأن ما موصولة لم يصادف محلا لأن المنقول عن الإمام أنه قال ليس في الإمكان إلى آخره وجواب هذا المجيب مبني على أن كلام الحجة ما في الإمكان إلى آخره وليس هو إلا ليس كما نقله عنه بعض المتأخرين وتكلم عليه بكلام طويل أيضا وقفت عليه بعد كتابتي ما تقدم ورأيته نقل كلام الحجة ومن جملة ما نقله أن البذر الزركشي تكلم على هذه الكلمة في تذكرته ونقل كلام بعض من تقدمه فيها هذا آخر ما حرره بفكره وله ذيل نقله عن الإمام الغزالي وإنما ذكرت هذا التحرير لكثرة تداول الناس هذه العبارة وبالله التوفيق وكانت ولادة الصفوري في سنة عشرة بعد الألف وتوفى في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وألف ودفن بمقبرة باب الصغير (2/112)
عبد القادر بن المعروف بن عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن الحسين بن أحمد بن موسى المشرع بن علي بن أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد أخي سيدي الفقيه أحمد بن موسى بن موسى المشرع الصوفي العجيل أحد الصوفية السالكين طريقة الأسلاف المتمكنين في المعرفة الملازمين للعبادة وكان ممن كمله الله في خلقه وخلقه وكرم طبعه وحسن طريقته وكانت له مهابة في القلوب مع خلق جميل وأدب وبراعة وإحسان وكان المنكرون عليه إذا سقطت عينهم عليه يفرون منه فرار الوحوش من الأسد ولا يسلك معهم إذا بلغه ذلك إلا الفعل الاسد وله ثبات على ظهور المقربات ويد طولى في علي المقامات وتواترت منه الكرامات التي اشتهرت ووضحت وكان متواضعا حسن المعاملة للمسلمين ولا ينزل نفسه منزلتها وله عناية بكتب الصوفية وميل لعلوم الشريعة وكان قائما بخدمة منصب آبائه وله في بيت جده الفقيه أحمد بن موسى العجيل ظهور تام ومنزلة علية ونفوذ كلمة عند الأمراء والحكام وكان من الكرم في ذروته العالية وتلتمس بركته من الأقطار وكان من الملازمين للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في خلواته وجلواته على طرقة جده فإن له فيها طريقا راسخة وكانت وفاته نفع الله تعالى به في نيف وستين وألف ببلده بيت الفقيه ابن عجيل ودفن في قبة آبائه وخلفه في منصبه الشيخ عبد الرزاق العجيل عبد القادر بن ميمي البصري الحنفي الأديب الفاضل الشاعر عرفني به المرحوم السيد عبد الله بن حجازي الحلبي روح الله تعالى روحه وكنت رأيت ترجمته الذي ترجمه بها في التأليف الذي أراد أن يذيل به على الريحانة وقد أثنى عليه ووصفه بالأدب والفضل ورأيت خبره في تعاليق الأخ الفاضل مصطفى بن فتح الله فقال في حقه كان إماما عالما فاضلا أخذ عن علماء بلده وقرأ على المنلا إبراهيم بن حسن الكردي نزيل المدينة المنورة وله تآليف منها رسالة في المنطق وأخرى في العروض وأخرى في التصريف وحاشية على تلويح السعد وكانت وفاته بالبصرة في سنة خمس وثمانين وألف رحمه الله السيد عبد القادر بن الناصر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدين ابن الإمام يحيى شرف الدين صاحب كوكبان أحد أفراد الزمان المجمع على جلالته مولده كوكبان وبها نشا وقرأ القرآن وأخذ بها عن أكابر العلماء الأعيان ولم يزل يكتسب الفضائل ويجد في تحصيل دقيق المسائل حتى نال ما ناله ثم تولى بعد واله ملك كوكبان وما والاها من البلاد وعلا شأنه وقصد وحطت عنده رحال أهل الآمال وكانت حضرته مجمع الأدباء وحلبة الشعراء وهمته مقصورة على مجد يشيده وإنعام يجدده وفضل يصطنعه وخامل وضعه الدهر فيصنعه وبالجملة فإنه فاق في عصره باليمن على الأقران وساد الأعيان فلا يدانيه مدان مع ما يضاف إلى ذلك من منظر وسيم ومخبر كريم وخلائق رقت وراقت وطرائق علت وفاقت وفضائل ضفت مدارعها وشمائل صيفت مشارعها وسودد تثنى به عقود الخناصر ويثنى عليه طيب العناصر وللفقيه العارف صالح ابن الصديق النمازي الخزرجي أرجوزة سرد فيها نسب جد صاحب الترجمة الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين بن شمس الدين وأضاف القاضي الفاضل العلامة أبو الفضل عماد الدين يحيى بن الحسن الحيمي نسب صاحب الترجمة إلى الإمام شرف الدين فلنذكر أولا أبيات الحيمي ثم نعقبها بأبيات النمازي فمطلع الأولى هو قوله (2/113)
أقول بعد الحمد في مقالي ... والشكر للخالق ذي الجلال
وبعد أن أهدى الصلاة سرمدا ... ثم السلام قاصدا محمدا
إلى أن يقول
معطى الجزيل ذي النوال الغامر ... مولاي عبد القادر بن الناصر
سليل عبد البر ذي المكارم ... نجل علي صفوة الأكارم
سليل شمس الدين ذي الكمال ... رافع بيت المجد والمعالي
ابن الإمام الحبر ذي العلوم ... كهف اللهيف كافل اليتيم
يحيى بن شمس الدين من ساد الورى ... ومن حديث مجده لن يفترى
هيهات إن تحصي له مكارم ... أو أن تكون مثله الأكارم
دعا إلى الله بعزم صادق ... وقام بالفرض وحق الخالق
ومهد الأقطار والبلادا ... وأصلح الله به العبادا
أحيا من العلم بدرس ما درس ... واتبع الناس هدى ذاك القبس (2/114)
وهاك ما أوردت في إيجازي ... متمما ما نظم النمازي
في نظمه سلسلة الإبريز ... وسردها في النسب العزيز
الحمد لله العلي الأحد ... القدر الفرد العزيز الصمد
ذي الطول والإجلال والإكرام ... والفضل والإحسان والإنعام
أحمده على توالي النعم ... وأستمده صنوف الحكم
وبعده فأفضل السلام ... على النبي سيد الأنام
محمد وآله الكرام ... سفن النجاة أنجم الظلام
وهذه أرجوزة شريفه ... نظمت فيها نسب الخليفه
الجوهر المفرد في الكمال ... لما حوى من أكمل الخصال
في ذاته العظمى وفي الأصول ... وفي حواشيه وفي الفصول
فما له في الناس من نظير ... شهادة من عراف خبير
ألبسه الله حلى الخلافه ... فصانها بالعدل والعفافه
كعبة أهل الفضل والعلوم ... وحجة الله على العموم
أحيا به الله أمورا جمه ... من درجات الآل والأئمه
وكم له من آية وحجه ... دعا بها الناس إلى المحجه
ليهتدوا فمن أجاب الداعي ... فهو على الحق بلا دفاع
وفقه الرحمن للإجابه ... ولقبول الحق والإنابه
ومن عصاه في شقاء سرمدي ... في هذه الدنيا وفي يوم غد
ما بين مقتول ومستهان ... وبين مطرود مدى الزمان
وهذه من أعظم الآيات ... عند جميع العلما الإثبات
في كل حين منه يستفاد ... علم به يتضح الرشاد
راياته محفوفة بالسعد ... يحيى بن شمس الدين نجل المهدي
أحمد أعنى نجل يحيى الحجه ... نجل الإمام المرتضى المحجه
ابن الجواد أحمد بن المرتضى ... ابن مفضل بن منصور الرضا
ابن مفضل بن حجاج العلى ... لله من قوم أولى فضل جلى
ابن علي نجل يحيى الكامل ... وذاك نجل القاسم حلا حل
نجل الإمام يوسف الداعي إلى ... هدى الإله نجل يحيى ذي العلى
ابن الإمام الناصر بن الهادي ... يحيى إمام الحق والرشاد
ابن الحسين بن الإمام القاسم ... سليل إبراهيم ذي المكارم
سليل إسمعيل ذي الذكر الحسن ... سليل إبراهيم أعني بن الحسن
هو المثنى نجل سبط المصطفى ... ابن أمير المؤمنين المقتفى
أعني سليل الدرة البتول ... بنت النبي المصطفى الرسول
محمد خير الأنام طرا ... أكرم به من نسب أغرا
وسمته سلسلة الإبريز ... والجوهر المرتفع العزيز
ورقية لكل داء معضل ... في الدين والدنيا فخدذها تعتلى
وقد سألت الله بالجميع ... وبالنبي المصطفى الشفيع
سؤال من يستيقن الإجابه ... ويرتجى في ذلك الإثابه
العفو والقبول والإنابه ... والفهم والتوفيق والإصابه
وجملا مضمرة في النفس ... مقدورة قطعا بغير لبس
والله ذو الجلال والإكرام ... يعلمها ويعلم اعتصامي
بهؤلاء السادة الأعلام ... أولى البها والنيل والأحلام
حاشا جلال الله أن يردا ... يداي صفرا بعد أن تمدا
وشرح هذه الأرجوزة شرحا وجيزا لطيفا السيد العلامة أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن إبراهيم الوزير جمع فيه سير المذكورين فيها وبعض فضائلهم وقد استوفى أخبار الإمام شرف الدين السيد عيسى بن لطف الله بن المطهر بن الإمام شرف الدين في تاريخ لطيف سماه روح الروح وذكر وقائعه مع الترك وما جرياته رجع إلى ذكر المترجم ومن شعره قوله (2/115)
قد طار قلبي إلا من لا أسميه ... وإن تناسى الوفا فالله يحميه
مهفهف ما دمن تيه ومن جذل ... فكاد قد قضيب البان يحكيه
بدر تكاد بدور التم تشبهه ... والظبي حاكاه لكن ما يساويه
ذو مقلة يعرف السحر الحلال بها ... قلبي بها يتقلى في تلظيه
كم أكتم الحب في قلب وأضمره ... لكن مدامع عيني ليس تخفيه
أبيت أرعى نجوم الليل منزعجا ... ألتاع شوقا وفي قلبي الذي فيه
لي نار وجد وأشواق أكابدها ... لله قلبي فيه كم يقاسيه
البرق يذهله والريح تدهشه ... والشوق ينشره حينا ويطويه
وكانت وفاته في المحرم سنة سبع وتسعين وألف بكوكبان وكان مرضه ثلاثة أيام السيد عبد القادر القيصري نقيب الأشراف بالممالك العثمانية من بيت معروف بصحة النسب في مدينة قيصرية دخل دار السلطنة في ابتداء أمره وجد واشتغل ثم لازم من المولى بهاء الدين زاده وسلك طريق القضاء فولى قضاء بلدته قيصرية وما انعزل عنها بقريب حتى طلب من طرف السلطنة وأعطى نقابة الأشراف بالممالك وكان النقيب إذ ذاك السيد يحيى قد مات وكان ذلك في شهر ربيع الآخر سنة ثمان بعد الألف فاستمر نقيبا إلى أن مات وكان فاضلا أديبا شاعرا ومخلصه على قاعدتهم قدرى ذكره ابن نوعي في ذيله وقال كانت وفاته في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وألف وولى النقابة بعده السيد ياوز المعروف بياوز أمير عبد القادر قاضي العسكر الشهير بقدري وهو صاحب الفتاوى المشهورة بفتاوى قدري ويطلق عليها لفظ المجموعة وهي الآن عمدة الحكام في أحكامهم والمفتين في فتاويهم وبالجملة فإنها مجموعة نفيسة أكثر مسائلها وقائع كانت تقع أيام المفتي يحيى بن زكريا وكان هو في خدمة المفتي المشار إليه موزع الفتوى وموزع الفتوى عندهم عبارة عن رجل يجمع الفتاوى التي كتبت أجوبتها ويدعها إلى يوم الثلاثاء من كل أسبوع فهذا يوم التوزيع فيقف في مكان من دار المفتي المعين وينادى بأسماء أصحاب الفتاوى وأسماؤهم مكتوبة على ظهر قرطاس الفتوى فهذه خدمة الموزع وأمين الفتوى هو الذي يراجع المسائل من محالها وينزل عليها الوقائع واستمر عند ابن زكريا بهذه الخدمة زمانا طويلا وكان من ذلك العهد موصوفا بالتقى والإقبال على أمر الآخرة وفيه صلاح وإنابة ومن هنا يحكى أن المفتي المذكور كان أعرف أهل زمانه واجتمع عنده من الحفدة أرباب المعرفة ما لم يجتمع عند غيره فكان إذا أراد المفاوضة مع أحد في أمر الدنيا والدولة وأحوال الناس قدم المولى محمد بن عبد الحليم البورسوي الذي صار آخرا مفتيا الآتي ذكره وكان عنده أمين الفتوى وأقرب المقربين فيتفاوض معه في هذه الأمور لكمال فطنته ودربته ومعرفته بأحوال الناس وإذا أراد المذاكرة في مشكلات الفقه والمسائل اختار المولى أوزون حسن أي الطويل وكان من خواصه وإذا أراد المباحثة في أنواع الفنون العقلية رجح المولى مصطفى البولوي الذي صار آخرا مفتيا وكان من حواشيه وإذا أراد المناقشة في الأدب والشعر ميز المولى محمد بن فضل الله الشهير بعصمتي الذي صار آخرا قاضي العساكر وكان من ندمائه وإذا أراد المفاكرة في أمر الآخرة وأحوال المعاد والجنة والنار استدعى صاحب الترجمة وعلى كل حال فهو من خيار الموالي العظام ولى قضاء قسطنطينية وقضاء العسكرين مرات وكان عالما فاضلا وقورا عليه مهابة العلم والصلاح وكانت وفاته في سنة ثلاث وثمانين وألف بقطسنطينية ودفن خارج باب أدرنه
عبد الكريم بن العالم الولي أبي بكر المشهور بالمصنف ابن السيد هداية الله الحسيني الكوراني الشاهوي الشيخ الإمام العلامة المفيد أخذ عن والده ثم رحل إلى الفاضل المنلا أحمد الكردي المجلى بضم الميم ثم جيم مفتوحة على وزن صرد قبيلة من الأكراد قاله بعضهم وقال آخر إنه نسبة إلى مجلان قرية تلميذ المنلا حبيب الله الشهير بميرزاجان الشيرازي تلميذ جمال الدين محمود الشيرازي تلميذ جلال الدين محمد الدواني فقرأ عليه إثبات الواجب وشرح حكمة العين وشرح مختصر ابن الحاجب للقاضي عضد الدين ثم عاد وأبوه موجود وأقام على بث العلم ونشره وله من التصانيف تفسير القرآن وصل فيه إلى سورة النحل في ثلاث مجلدات وكتاب في المواعظ وعنه أخذ علامة الوجود الإمام الكبير المنلا إبراهيم بن حسن الكردي الكوراني نزيل المدينة المنورة وكانت وفاته في سنة خمسين بعد الألف عبد الكريم بن أكمل الدين بن عبد الكريم بن محب الدين بن أبي عيسى علاء الدين أحمد بن محمد بن قاضيخان وهذا قاضيخان غير صاحب الفتاوى بن بهاء الدين يعقوب بن إسماعيل بن علي بن القاسم ابن الفقيه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل العدني ثم البيجابوري ثم النهرواني الحنفي المعروف بالقطبي وسيأتي جده عبد الكريم قريبا كان هذا من أعيان الفضلاء بمكة ومن أجلاء الصوفية المجللين ولد بمكة وأخذ عن والده وغيره وأخذ الطريق عن الشهاب أحمد الشناوي ولازم بعده تلميذه السيد الجليل سالم بن أحمد شيخان وفتح الله تعالى عليه بفتوحات وتحقق بمعرفة الوحدة الوجودية وله شرح على فصوص القونوي واعتراه في آخر أمره جذب كان يغيب فيه أحيانا عن وجوده مع حفظ المراتب الشرعية وكانت وفاته ليلة الأربعاء بين العشاءين عاشر شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وألف بمكة ودفن صبيحة يومه بالمعلاة المنلا عبد الكريم بن المنلا سليمان بن مصطفى بن حسن القاضي بديورنه وسننده ابن عبد الوهاب الكردي الشامي الخالدي الشافعي نزيل دمشق العالم الكبير الزاهد العابد كان من أمره أنه قرأ ببلاده واجتهد وأخذ عن كبار المحققين ومشايخه كثيرون فممن أخذ عنه الحديث عمه محمد عن ميرزا محمد الكوراني وهو عن أبيه عبد اللطيف عن المنلا إلياس من كلاط من كوران صاحب التسهيل على العوامل وهو أخذ عن الحافظ ابن حجر العسقلاني بأسانيده المشهورة وأخذ الفقه عن المنلا أحمد العمر ابادي وهو أخذ عن المنلا إلياس الثاني البروزي وهو أخذ عن المنلا إلياس المتقدم بسنده المتقدم والتفسير عن المنلا يوسف الكوراني عن الشيخ عبد الكريم الشهرزوري الكركدري عن المنلا إلياس المذكور بسنده وأخذ تفسير البيضاوي عن المنلا محسن بن المنلا سليمان الدشاني قراءة لبعضه وسماعا لباقيه في الروضة الشريفة وهو أخذه عن السيد ميرزا إبراهيم الهمذاني وعن المنلا أحمد المنجلي تلميذ ميرزا جان وأخذ الفرائض عن القاضي شكر الله الشقري عن الشيخ بدر الدين الطائي عن المولى إلياس المذكور بهذا السند والنحو عن المنلا عبد الصمد الموحشي نسبة إلى قرية موجش من قرى كوران وله روايات غير هذه وتمكن في العلوم والمعارف كل التمكن وورد دمشق وأقام بها وأخذ عنه بها غالب فضلائها الذين بهروا واشتهروا منهم العلامة السيد محمد بن كمال الدين النقيب والشيخ محمد العيثي وشيخنا إبراهيم الفتال والسيد العالم شمس الدين محمد الحصني وكان صاحب قدم راسخة في الولاية وصدرت عنه كرامات ومكاشفات كثيرة منها أنه صار يوما إلى ربوة دمشق ومعه تلامذته المذكورون وكان الشمس العيثي احتلم في ليلته تلك وغفل عن الاغتسال فلما قاموا لصلاة الظهر توضأ وأراد الشروع في الصلاة فجذبه المنلا عبد الكريم من كتفه وقال له امض اغتسل ثم صل فذهب واغتسل ثم عاد وصلى وله من هذا القبيل أشياء وكانت وفاته رحمه الله تعالى. (2/116)
//الجزء الثالث
عبد الكريم بن سنان أحد موالي الروم ومنشي الدوران وأحسن أهل الروم لهجة في النثر العجيب المدهش وأوفرهم اطلاعا على فنون الأدب وأعرفهم باللغة العربية قرأ على المولى علي بن سنان المحشي ثم رحل إلى القاهرة في حدود التسعين وتسعمائة وقرأ بها على النور علي بن غانم المقدسي الحنفي وصحب مدة إقامته بها القاضي بدر الدين القرافي المالكي وبينهما مفاوضات وأناشيد كثيرة ثم رجع إلى الروم وسلك طريق الموالي فدرس ثم صار قاضي حلب في سنة ثمان وعشرين وله مع أدبائها مكالمات ومخاطبات ثم عزل عنها وولي قضاء القاهرة وذلك يوم السبت رابع عشرى جمادى الأولى سنة ثلاثين وألف وكانت مدة قضائه بها خمسة أشهر وأربعة وعشرين يوما وله مع أبي العباس المقري صحبة ومودة وكان المقري عرض عليه كتابه فتح المتعال في وصف النعال وطلب منه أن يقرظ له عليه فكتب تقريظا لم يسبق إلى مثله لكن فيه طول ومن جملته قوله في وصف المؤلف صاحب الذهن المتوقد في فهم المشكلات وحل رموزها وصائب الفكر المتوهج في فك طلاسمها وفتح كنوزها. (2/117)
يحل رموز لا يرى من يحلها ... وما شذ فهما من كلام الأوائل
طرز حلل العلوم بوشي أرقامه ورمى أغراض الفنون بسهام أقلامه.
سهام إذا ما راشها ببنانه ... أصيب بها قلب البلاغة والنحر
صفت عن قذى الخطأ مناهل أنظاره وصحت من غمام الأوهام آفاق أفكاره وشرح ببراعة يراعته صدور المهارق وأتى من معجزات البلاغة بالخوارق إن نظم أزرى بعقد الثريا أو نثر أخجل زهر الروض الباسم المحيا إذا نطق يطلع ثور الفضل من أفق بيانه أو كتب يجري زلال الأدب من ميزاب قلمه ببنانه.
قلم أقام ولفظه متداول ... ما بين مشرق شمسها والمغرب
إلى أن قال ألقى عليه الشرف رداءه والمجد سرباله فاستسعد بخدمة نعل النبي عليه سلام الله ما هبت الصبا فطوبى له وناهيك بنعلين لو أن الفرقدين حازا أملا لهما أن يكونا منهما بدلا يا له من مجموع جميع أنواعا وأجناسا من المحاسن وجرى ماء البلاغة في جداول سطوره غير آسن نفث في عقد العقول بسحره وسبى أفئدة البلغاء بنظمه ونثره شفت ظروف حروف مبانيه فنمت على سلافة لطافة معانيه كما نم الزجاج على الرحيق والنسيم على شذى الروض الأنيق.
إني لأقسم لو تجسم لفظه ... أنفت نحور الغانيات الجوهرا
فكأن البلاغة قالت لا أعصي لك أمرا وبحور الشعر أطاعته فاستخرج منها جوهرا ودرا فرشحات تلك الأقلام نافثات المسك ندها.
والعنبر الرطب غدا قائلا ... لا تدعني الأبيا عبدها
ولما استكشف وجوه عرائس معانيه المخبأة تحت براقع أسجاعه وقوافيه لمحت ربات جمال قد حسرت لثامها عن منظر متهلل باسم فتمسكت بشعر الأديب الناثر الناظم أبي الفتح كشاجم
شخص الأنام إلى صليعك فاستعذ ... من شر أعينهم بعين الواحد
فتيقنت أن إرادة التقريظ بإجالة جواد القلم في ذلك المجال ليس إلا للاستعاذة من شرعين الكمال فما أحقني بقول من قال:
جعلت تقريظي له عوذة ... تقيه من شر أذى العين
انتهى ومن بدائعه الفائقة تراجم أنشأها وترجم بها بعض الوزراء ومشايخ الإسلام وبعض الموالي والكتاب والعلماء وكلها لا تنوف على العشرين ترجمة بكثير وهي مجموعة عندي في دفتر من أماكن متفرقة وقد ذكرت منها في محالها بعضا وسأذكر البعض الآخران شاء الله تعالى فإنها من نفائس القول وأعجبها الترجمة الوهابية ترجم بها أحوال القاضي عبد الوهاب قاضي القضاة بالشام كان وقد ذكر الخفاجي قطعة منها عندما ترجمه في كتابه الريحانة وهذه هي برمتها بعد ذكر اسم المترجم ضاعت أوقاته وغلبت على حسناته سيئاته تمحض للفحص عن أحوال الناس وأخبارهم وتفرغ لنبش خباياهم وأسرارهم يسأل من يدخل عليه عن الوقائع والحوادث ويشرع في البحث عن الناس وفيه مباحث شعر
ولو نظر العياب في عيب نفسه ... لكان له شغل عن الناس شاغل
لعله لم يعلم أن من غربل الناس نخلوه وأن من أظهر لهم الصعوبة ذللوه فيا لهفي على إضاعة بضاعة أوقاته بين حديث غث وكلام رث تمجه نفس السامع وتتلوث به المسامع وبين تدبير الأكل والشرب والحالة أنه يكفي الإنسان لقمة تقيم الصلب
أظنك من بقية قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
ولقد رأيته وهو يكرر ابتلاع الجوارش ولاء وذلك لدفع التخمة احتياطا وإن استحال أن تحسن تلك المعدة امتلاء لعمري لو أكل لقمات العادي ذلك القدر منه لقضى نحبه من التخم ولألقى رحله إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم وليت شعري ما يلزمه عنيف أكل حتى تشبث في هضمه بأذيال الجوارشات وكان قد وجب عليه حيث أنه مغرم بالأكل أن يتحاشى إكثاره لأن العامة تقول رب أكلة تمنع أكلات (2/118)
وليس الأكل بالقنطار لكن ... على مقدار ما تسع البطون
ولو رأيته إذا حضر عنده الطعام لرأيته حوتي الالتقام خطافي الاختطاف ثعباني الجذبات غضنفري الوثبات وكأن الحياة على زعمه ليست مخلوقة إلا للشرب والأكل وإن الإنسانية في اعتقاده ما هي إلا عبارة عن الهيئة والشكل وإن ساعات الليل واليوم ما وضعت إلا لسنة والنوم فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا من زاره زار شيخنا ملآن الحشا متتابع التمطي والجشا وارحمتاه لمجالسيه من الروائح التي تهب من فيه وكان يواظب على مجلسه في خوانه أتراك بلده وما يليها من أخدانه وإخوانه.
وأنس القرين إلى شكله ... كأنس الخنافس بالعقرب
من كل من إذا وقع الخطاب العام لا يصلح للخطاب ومن بأكاذيبه تنعطف القلوب على مسيلمة الكذاب فيتخذون تلك الدار دار الندوة ويعدون للصوارم نبوة وللجياد كبوة يتجاذبون لحوم أصحاب الأعراض فلا بدع فإنهم كلاب بل ذئاب على أجسادها ثياب ومن ذلك الحزب الخاسر لئيمهم يلقب ببحثي جحود الحشر والبعث قد بلغني عنه لا بلغه الله الأمل ولا زال في الندم المقيم المقعد من مجازاة سوء العمل
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
أنه يروم تفضيل نفسه بتنقيص الأفاضل ويؤمل بهذا السبب تنويه ذكره وهو في الناس خامل وهيهات وأين الثريا من يد المتناول فتصاممت وقلت الجاني حمار وجرح العجماء جبار من ذا يعض الكلب إن عضا وحسبت مقاله طنين الذباب أو صرير الباب أذن الكرم عن الفحشاء صماء وقد ما قيل لا يضر السحاب نباح الكلاب وتمثلت بقول أبي إسحاق الصابي
لا تؤمل أني أقول لك اخسأ ... لست أسخو بها لكل الكلاب
ولا عتب عليه فإن المسعود محسود وهل تلام الثعالب بحسد الأسود ونزهت نفسي عن مجاراة مثله متى كانت الآساد مثل الثعالب وبعد هذا فض الله تعالى فاه ولا زالت ترد وفود الصفع على فقاه لم يزل يدير علي كاسات الأذى مترعة بالقذى
قد أصبحت أم الشرور تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع
حتى كأنه اتخذ ثلبي وردا يتقرب إلى الشيطان به وإلى الآن لم أقف على سببه كم تحملت منه الأذى وهو البادي وكم شربت على القذى وأنا الصادي ولما طال تماديه في الباطل بتجانبه عن الحق وإعراضه لا غرو حركنا أظفار الأقلام في تخديش صفحات أعراضه فو الله لأنت الظالم لنفسك في هذا الأمر والجاني عليها في نفخ هذا الجمر ولست إلا كالكلب يكسب له نباحه الضرب وما مثلك الأمثل كلب غدا فعله ظلوما إذ جنى على إسته بأكل العظام كلوما فإني قد كنت طويت الطرف عن أحوالهم فلم أر لهم محاسنا ومساويا فلا رحمك الله ذكرتني الطعن وكنت ناسيا عمري لقد زاحمت البحر الخضم وتلاعبت بأنياب الأسود والأرقم وما أنت إلا أذل من النقد كمبتغي الصيد في عريسة الأسد أو ما خشيت من اليراعة التي لعاب الأفاعي القاتلات لعابها أو ما خفت من البراعة التي لا ينفق سوق الأدب إلا بها أو ما قلت أن أمامي مالا أسامي أتتحكك بأنياب الأسود وبراثن الأسد أو تراجم جندلا أو تهادي أجدلا لقد سخنت عينك وحان حينك وقد قيل إذا جاء أجل البعير حام حول البير
يا سالكا بين الأسنة و القنا ... إني أشم عليك رائحة الدم
ولعلك تمسكت بقول الهمداني من إنقادت لعذوبة بيانه المعاني
يا خائف الهجو على نفسه ... كن في أمان الله من مسه
أنت بهذا العرض بين الورى ... مثل الخرا يمنع عن نفسه
نعم الأمر كذلك لكن العبرة بقول أبي الطيب رقرق على تربة من سجال الغفران الصيب وفي عنق الحسناء يستحسن العقد ولقد أحسن هذا المعنى الأديب ابن الرقاق الأندلسي من بأدبه فضل المتقدم قد نسي
زادت على كحل العيون تكحلا ... ويسم نصل السيف وهو قتول
إلام تجسس المعايب وتطعن في الناس أكليب خذها من يدي جساس يا أقذر من آلة الاحتقان متى فست بك فقحة الزمان يا أنتن من مبال الطواشي ويا أنجس من شعير روث المواشي يا ضماد الجرح وقد مضت عليه عدة ليال يا قطعة البلغم في رئة المسلول ولم يخرجها السعال يا تنفس من به ضيق النفس ويا إراقة بول قد احتبس يا طول شعر العانة ويا قر مرة مقروح المثانة يا لعاب فم المجذوم ويا جشاء من أكل الثوم يا محيض النساء ويا فساء الخنفساء يا أنجس من سور الكلب ويا أقذر من سراويل من به الجرب الرطب يا منديل المسلول وقد لزقت به قطعات البلغم يا ريح فم المخمور المتقيئ قبل أن يغسل الفم يا من أغنت عن المسهلات طلعته يا من تكفل عمل المغيبات رؤيته يا من يكرمه الناس في المجالس والمجامع إكرام الكلب المبتل إذا دخل الجامع يا من تحار في فهم كلماته العارية عن المعنى والتناسب عقول الأفاضل وتذكر في تلك الجمل قول صاحب التحقيق تمثيلا درجات الحمل ثلاثون وفي عين الذباب جحوظ وجالينوس ماهر في الطب والقرد شبيه بالآدمي وكم الأمير في غاية الطول يا من أربى على أبي جهل في الضلالة يا من أتعب بترهاته الجمال الثقالة يا كلف وجه الأيام يا قرحة عين الإسلام يا إفلاس العاشق يا تعفف الفاسق يا صباح المخمور يا ليل الغريب يا سقوط نبض المريض ويا يأس الطبيب يا خيبة من رجع راضيا من الغنيمة بالإياب وندامة رستم بعد قتل ابنه سهراب يا من نتج عنده من الخبث وتلاده ويا من تصلح معايبه مثالا لكلي لا تتناهى أفراده يا من جمع من القبائح أنواعا وأجناسا في قالب واحد ويا من عناه ابن الرومي بقوله (2/119)
ولو لم تكن في صلب آدم نطفة ... لخر له إبليس أو ساجد
يا أكره من حديث معاد ويا أعبس من وجه التاجر في أيام الكساد يا خجل العروس عند أهلها قد فض ختمها غير بعلها يا قذارة من يستنجي بالماء القليل ويا عقدة تكة أبت الحل والبول يكاد يحرق الإحليل يا مسبار الحجام يا بيت حلاقة العانة في الحمام يا سجادة الزانية ويا منديل مسح اللائط بعد أن يرتكب الحرام يا شعر رأس القلم حين شروع الكاتب في الرقم يا قطعة البلغم في حلق المغني عند بدء النغم يا واسع المذهب ويا ضيق الصدر يا وسخ العرض يا نظيف القدر يا من ألزم كاتب اليسار كل حين كتابه ويا من لا يأثم عند الله من اغتابه يا من أدمى أنامل حساب قبائحه ومعايبه يا من أحفى أقلام كتاب مساويه ومثالبه
مسا ولو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق
فاليكها وتفكه قبل أن يقدم لك الطعام بهذا الحنظل فإني سوف ألقمك الخرا بالخردل ولم أزل أذيقك من هذه الفصول الموجعة للقلب سياطا إلى أن لا تتمالك إستك الواسع ضراطا فترد عن نفسك إذ ذاك وتطفي في قلبك هذا الجمر كما ردها يوما بسوأته عمرو وما أنت إلا كالحباري ليس سلاحها في مدافعة السقر إلا سلاحها لعمري لقد أدخلتك هذه الأسجاع في جحر ضب خرب أو في إست كلب جرب فأبشر بقية عمرك القذر تمضي في ذلك المنزل الرحب العذب ماؤه الطيب هواؤه وكان وجب على ذمة الحمية الأبية مجازاتك فأدينا إليك الكيل صاعا بصاع وأحرقناك بشواظ من النار التي هي عبارة عن هذه الأسجاع كلا وشتان بينهما فإن هذه لا تقاس بدواجن كلماتك الهي كما تعرفها لا تخرج من دارك ولا يتعهدها من بجوارك وأما تلك الفصول فستسير مسرى الصبا والقبول وتصادف من الناس مواقع القبول فلا غرو أوجبنا عليك إن نشافهك بما اتصفت به من المعايب والمثالب ولا عتب علينا لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ووالله إن تلك الألفاظ لتأنف منك وإني أستغفره تعالى في تعذيبها بك وإيذائها بخطابك كيف لا وإنك لعذرة ملء إهابك ومما بلغني عنك أن لسان الدهر لما أسمعك بعض أسجاعنا الذي تخضع له رقاب القوافي ويميس من حلل البلاغة في البرود الضوافي بادرت إلى مطالعة فقر المقامات لعلك تجدها فيها أو في كتاب آخر يضاهيها وتفضل علينا بتصحيح صلاتها وجعلها أنموذج فضلك الغزير فهاتها ونسأل الله السلامة من الوصمة والإمداد بالتوفيق والعصمة والإرشاد إلى سلوك سبيل التقوى والتمسك في كل حال بسببها الأقوى انتهى وكانت وفاة صاحب الترجمة في عشر الأربعين والله أعلم.
عبد الكريم بن محب الدين بن أبي عيسى علاء الدين وتقدم تمام النسب في ترجمة حفيده القطبي الحنفي مفتي مكة المشرفة الإمام العلامة المقلب بهاء الدين كان إماما فاضلا له اشتغال تام بالعلم وخط حسن ونسخ بخطه كتبا وله حفظ جيد ومذاكرة قوية وكان عارفا بالفقه خبيرا بأحكامه وقواعده مطلعا على نصوصه مع طلاقة الوجه وكثرة السكون وأما الأدب فكان فيه فريدا يفهم نكته ويكشف غوامضه ويستحضر من الأخبار والوقائع وأحوال العلماء جملة كثيرة وكان من أذكياء العالم ذا إنصاف في البحث لازم عمه وأستاذه العلامة قطب الدين الحنفي مفتي مكة وبه تفقه وعليه تخرج وأخذ عن الشيخ عبد الله السندي والعلامة الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي روى عنه صحيح البخاري وممن أخذ عن المترجم السيد عمر بن عبد الرحيم البصري وتولى إفتاء مكة سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وولي أيضا المدرسة السلطانية المرادية بمكة وألف مؤلفات لطيفة منها شرح على البخاري ممزوج لم يكمله سماه النهر الجاري على البخاري وتاريخ سماه أعلام العلماء الأعلام ببناء المسجد الحرام وهو مختصر تاريخ عمه المذكور زاد فيه أشياء حسنة مهمة مما يحتاج إليه وما حدث بعد تأليفه منها عليه وحكى الإمام علي الطبري أن صاحب الترجمة شارك في حدود التسعين وتسعمائة أئمة المقام في إمامته وهم السادة البخاريون فإنهم أقدمهم ثم بيت الشيخ أبي سلمة وكانوا لا يزيدون على أربعة أنفار غالبا فكان حافظا للمقام وصائنا له عن تطرق مشارك في الإمامة بحيث أنه ورد سنة ثلاث عشرة وألف وظيفة إمامة مستجدة للملا مكي بن فروخ فنعه صاحب الترجمة بما بيده من الأحكام السلطانية لأنه كان قد استخرج خطوطا سلطانية بعرض صاحب مكة أن لا تتجدد وظيفة بالمقام المذكور فتشفع فروخ والد مكي ببعض أكابر الأروام فبلغ صاحب الترجمة ذلك فبين الحال للمتشفع فامتنع من الرجاء في ذلك حينئذ فلما توفي صاحب الترجمة قام بهذا الشأن ولده أكمل الدين وحفظ النظام ثم جرى عليه القضاء والقدر فمات شهيدا في سنة عشرين وألف بعد قصة طويلة فحينئذ تفتح الباب في الإمامة فلم يزل التزايد إلى أن بلغوا في زماننا أربعة عشر إماما انتهى كلامه قلت وقد بلغوا الآن نحو أربعين وصاحب الترجمة هو الذي سعى في أحداث معلوم من بندر جده يكون في مقابلة خدمة إفتاء الحنفية بمكة وأجيب إلى ذلك وجعلت له خلعة تحمل مع الركب المصري يلبسها في يوم العرضة ثم أحدث له في مقابلة ذلك أيضا صوفان من الديار الرومية وفي ضمنهما مائة دينار واستمر ذلك لمفتي مكة إلى الآن وكانت ولادته ضحى يوم الاثنين تاسع عشر شوال سنة إحدى وستين وتسعمائة بأحمد آباد من بلاد الهند وكني بأبي الفضائل وهو تاريخ ولادته وقدم مكة مع والده وبها نشأ وتوفي بها قبل غروب شمس يوم الأربعاء خامس عشر ذي الحجة سنة أربع عشرة بعد الألف ودفن بالمعلاة رحمه الله تعالى. (2/120)
عبد الكريم بن محمد بن محمد المعروف بالعبادي الدمشقي الحنفي الأديب الفاضل الذكي كان له مشاركة تامة في الفنون وخبرة في نقد الشعر وله في المعميات وحلها اليد الطولى قرأ بدمشق على الشيخ عمر القاري وعبد الرحمن العمادي والشرف الدمشقي وعبد اللطيف الجالقي وغيرهم وأخذ طريق الرفاعية عن الشيخ محمد العلمي القدسي وحج في بعض الستين وينقل لحجه سبب عجيب وهو أنه كان له بعض إخوان ممن اختلط بهم وامتزج فتوجهوا قاصدين الحج فسار لوداعهم وكان الفصل فصل الصيف وعليه الصوف وعلى رأسه العمامة الكبيرة فلما وصلوا إلى باب الله أبرموا عليه أن يسير معهم إلى الكسوة وما برحوا يلحون عليه إلحاحا بعد إلحاح إلى أن أخذوه معهم بنية المسير إلى المزيريب وفي ليلة المسير أبرموا عليه بأن يتوجه معهم إلى الحج فلم يخالفهم وتوجه معهم وكل منهم أعطاه ما يحتاج إليه فحج حجة ما زال مدة عمره يذكر ما وقع له فيها من الإكرام والانبساط ثم عاد إلى دمشق ولازم بعد مدة من المولى عبد العزيز بن قره حلبي المقدم ذكره وناب في القضاء بمحكمة الميدان ثم سافر إلى الروم في سنة إحدى وخمسين وألف وسلك طريق القضاء فولي قضاء بيروت ثم سافر إلى الروم مرة ثانية وانتقل إلى إقليم مصر فصار قاضي أبيار ثم أتى إلى دمشق وصار بها متوليا على أوقاف الجامع الأموي مدة وعزل لاختلال وقع في الوقف وولي قسمة العسكر ثم سافر إلى الروم مرة ثالثة وصار قاضي بني سويف وتوجه إليها فمات بها وكان في أوائل عمره مائلا لجانب الصلاح ثم اختلف وكان مفرط السخاء حسن المعاشرة والمحاورة وكان بينه وبين محمد وأخيه أكمل الكريميين مودة وصحبة وجرى بينهم مفاكهات ومطارحات كثيرة فمن ذلك ما اتفق لهم وقد ضمهم مجلس فابتدر محمد على طريق المساجلة فقال (2/121)
هواي عذري ولا أعذر ... هذا على أهل النهي ينكر
يعذلني اللوام في صبوتي ... جهلا ومجنون الهوى يعذر
وجدي بمن تخجل شمس الضحى ... إذا تبدى وجهها الأنور
قد سل من أجفانها أبيض ... وهز من أعطافها أسمر
وقال أخوه أكمل
يريك أن ماس قنا قدها ... غصنا بنوار إليها يثمر
ظبية أنس كم سبت جؤذرا ... وأن سباريم الفلا الجؤذر
تريش من أجفانها أسهما ... يرمي بها حاجبها الموتر
لم يقنى من حربها جوشن ... كلا ولا درع ولا مغفر
ينهاني اللائم في حبها ... هل أنتهي والحسن لي يأمر
وقال عبد الكريم صاحب الترجمة
غادة دل أختشى غدرها ... يا من رأى الغادة لا تغدر
رحت عليها في الجفا صابرا ... لكن عنها قط لا أصبر
ورد الجيا يقطف من خدها ... وماؤه من وجهها يقطر
وقال أكمل أيضا
دموع عيني في الهوى ترسل ... عما يعانيه الحشا تخبر
نمام دمع الصب عاداته ... لكل ما يطوي الحشا ينشر
وكانت ولادته في سنة ثمان وتسعين وتسعمائة وتوفي في سنة سبعين وألف وبنو العبادي فيما يزعمون ينتسبون إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج الصحابي الجليل فعليه يكون العبادي بضم العين والعامة تكسرها فهو غلط مشهور.
عبد الكريم بن محمود بن أحمد المعروف بالطاراني الميقاتي البعلي الأصل الدمشقي المولد والدار والوفاة الكاتب الشاعر المؤرخ الملقب كريم الدين أحد كتاب محكمة القسام بدمشق كان من أفراد الزمان ومحاسن الأيام انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والتوريق والإنشاء والحساب مع مشاركة تامة في فنون الأدب وغيرها وله النظم الجيد جالس جدي القاضي محب الدين وقرأ عليه كثيرا وعلى غيره كالحسن البوريني وتأدب بالشمس محمد الصالحي الهلالي الشاعر المشهور وكان مليح العبارة في إنشاء الوثائق جيد الفكرة لطيف المحاورة وكتب الكثير وكان كثير المحفوظات عجيب الإيراد وله تشيع وكتب الناس عنه كثيرا من نظمه ونثره وقرأت في بعض مجاميعه بخطه قال جرى لي يوما في بعض الأندية أنه ذكر أشج بني مروان عمر بن عبد العزيز وما فعله وهو خليفة من أمره بالكف عن لعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه على المنابر مدة تزيد على سبعين عاما كما هو مشهور وتلاوة قوله تعالى أن الله يأمر بالعدل والإحسان إلى آخر الآية عقيب انتهاء خطبة يوم الجمعة وصار هذا دأب الخطباء في جميع الأمصار وانجر الكلام من بعض من حضر إلى ما نظمه الشريف الرضي الموسوي في هذا المعنى بقوله من أبيات يخاطب بها عمر بن عبد العزيز (2/122)
يا ابن عبد العزيز لو بكت العين فتى من أمية لبكيتك
إلى آخر الأبيات فنظمت هذه الأبيات وهي من أحسن الشعر وأجوده
أشج بني مروان لله دره ... لقد كف عن سب الإمام المفضل
خليفة خير الناس والأول الذي ... دعاه رسول الله في كل معضل
علي أمير المؤمنين وصنوه ... وناصره في يوم زحف ومحفل
لقد خصه في فتح مكة بالأخا ... وبالراية العظمى وناهيك من علي
غداة دعاه مرحب يوم خيبر ... فجلله بالسيف والحرب تصطلي
وفي يوم أحزاب أتى بفضيلة ... بقتل ابن ود العامري المضلل
وفي الحرب يوم النهر وأن لقد شفى ... غليلا وحرقوص يجول بمفصل
فألقاه مطروحا صريعا مجدلا ... كأصحابه النائين عن نهج مرسل
أتاهم فلاقاهم رجالا خوارجا ... فأرداهم طرا بغير تمهل
ولم ينج من صمصامه غير سبعة ... وكلهم باؤا بإثم معجل
كأشقى مراد نال خزيا وذلة ... بقتل إمام عارف متبتل
عليه من الله المهيمن لعنة ... مدى الدهر ما هبت نسيمات شمأل
فلم تبك شخصا من أمية أعين ... بكت منهم عين الأشج بمسيل
عظيم بني مروان خير خليفة ... وخير ذويه من أكول وأحول
لقد نزه الماضين عن لعن سيد ... يكنى أبا السبطين في كل منزل
وعوض أن الله يأمر فافتهم ... لما جاء في نصر الكتاب المنزل
فروى ضريحا ضمه صوب رحمة ... وجازاه ربي بالثواب المعجل
وإني لراج أن أنال بحبه ... من الله في الفردوس كل مؤمل
فيا رب بوئني بحقك جنة ... وأحسن إلهي في القيامة مؤئلي
قلت والمراد من أشج بني مروان عمر بن عبد العزيز بن مروان وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان ابن الخطاب رضي الله عنه يقول أن من ولدي رجلا بوجهه أثر يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ولما نفحه حمار برجله فأصاب جبهته وأثر بها قال أخوه إصبع الله أكبر هذا أشج بني أمية يملك ويملأ الأرض عدلا انتهى ولا يرد عليه عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فإنه وإن كان أشج أيضا وهو من أولاد عمر إلا أنه لم يل حكما وبشجته ضرب المثل لمستهجن يزيد به صاحبه حسنا فإنه كان من أجمل أهل زمانه وأصابته شجة فزادته حسنا قاله في ربيع الأبرار وكان لصاحب الترجمة أخ اسمه محمد وكان أحد المشهورين بجودة الخط إلى الغاية وكان يكتب أنواع الخطوط بأجمعها ويقلد أقسامها على اختلاف أجناسها وربما قلد العلامة السلطانية وكان سافر إلى مصر فاتفق أنه حصلت له كائنة أدت إلى وصول خبره إلى حاكم مصر بتقليده الطغرا فاستحضره وألح عليه بالاعتراف بذلك فاعترف فقطعت يمينه وكان بعد ذلك أيضا يلف على يده خرقة ويمسك بها القلم ويكتب وقد وقفت لأخيه عبد الكريم على أبيات أرسلها إليه بعد حصول هذه الكائنة له وذكر في أولها ما هذا نصه من مراسلات كاتب الحروف إلى أخيه شقيقه وهو بالديار المصرية مشيرا إلى حادثته التي أبكت العيون وأورثت القلوب الشجون ومتشوقا إليه (2/123)
سلام كنشر الروض باكره القطر ... على ساكني قلبي ومنزلهم مصر
سلام عليهم من كئيب متيم ... توالى على خديه مدمعه الغمر
وإن لاح برق حن شوقا إليهم ... حنين أخي الأشجان قد خانه الصبر
وبعد فإني يا أخي لما جرى ... أخو عبرة تنهل إذ فدح الأمر
ولم ينقطع ذكري لأيامنا التي ... تقضت بأرض الشأم وهي بكم غر
وكيف وقد كنا جميعا بألفة ... وحاسدنا من غمه شفه القهر
وإخواننا في خفض عيش وكلنا ... لفرط ائتلاف لا يروعنا الذعر
ولكن قضى هذا الزمان بصدعنا ... وتشتيتنا صبرا على ما قضى الدهر
فلله منا الحمد والشكر دائما ... على المنن اللاتي يجل لها الحصر
ولا زلت ترقى ذروة العز ما شدا ... حمام على غصن وما اكتمل البدر
وحن إلى الأوطان كل مغرب ... مشوقا إلى أهليه وانسكب القطر
وقرأت بخطه مما نظمته ارتجالا وقد جلس إلى جانبي مليح من ملاح الشأم في مكان مرتفع وكان القمر في تلك الليلة في حالة الإبدار وهو مطل علينا فقال لي انظر البدر أمامك فقلت له البدر أمامي على أي حالة فجعل فقلت منشدا
وذي قوام رشيق ... دنا البدر التمام
فقال والثغر منه ... حال بحسن ابتسام
غدا أمامك بدر ... فقلت بدري أمامي
وأشعاره وأخباره كثيرة وكانت وفاته في ثامن شعبان سنة إحدى وأربعين وألف ودفن بمقابر الشيعة في باب الصغير والطاراني نسبة إلى طارية وهي قرية من قرى بعلبك قدم منها والده إلى دمشق ورأيته في بعض مجاميعه ينتسب بالطيراني بالياء ولعلها نسبة على خلاف قياس والله سبحانه وتعالى أعلم.
عبد الكريم الوارداري مفتي الحنفية بالشأم ومدرس السليمانية بها كان من أهل العلم والدين قدم إلى دمشق صحبة نائبها الوزير سنان باشا حين وليها بعد انفصاله عن الوزارة العظمى فرفع مرتبته حتى صيره مفتيا فأقام بدمشق سنين وتزوج بنت الشيخ برهان الدين بن أدهم بن عبد الصمد وكان معلما لسنان باشا المومى إليه وكان كثير الصمت حسن السمت عليه مهابة العلم وسكينة الفضل ووقع بينه وبين الشمس بن المنقار بسبب مسئلة تحالفا فيها وكان ابن المنقار يتحجج بهذه القصة وينشد
أنا صخرة الوادي إذا هي زوحمت ... وإذا نطقت فإنني الجوزاء
فكتب له عبد الكريم رسالة لطيفة قال فيها بلغنا أنكم حينئذ تفخرون وتنشدون أنا صخرة الوادي وفي الحديث المؤمن هين لين وحج من دمشق ثم عاد إليها وترك شعر رأسه بعد حلق النسك فلم يحلقه ثم صار يضفره وكان مقبولا ثم عزل عن فتوى الشأم ورحل إلى قسطنطينية وكان سنان باشا بنى دار الحديث عند تربته المعروفة بقسطنطينية فشرط تدريسها الصاحب الترجمة فصار يدرس بها وأقام سنوات إلى أن توفي وكانت وفاته بها في صفر سنة ثلاث بعد الألف كذا قرأته بخط الشمس الداودي المقدسي نزيل دمشق. (2/124)
عبد اللطيف بن أحمد بن أبي الوفا المفلحي الأنصاري الحنبلي الدمشقي تقدم أبوه أحمد وكان عبد اللطيف هذا فقيها مشتغلا مشهور السمعة جريئا في فصل الأمور رحل إلى مصر في سنة خمس عشرة بعد الألف وأخذ بها الحديث عن النور الزيادي وتفقه بالشيخ يحيى بن موسى الحجاوي والشيخ عبد الرحمن بن يوسف البهوتي وأجازاه بالفتوى والتدريس وذكر له الحجاوي في إجازته أنه أفتى بالجامع الأزهر مرارا وأفاد واستفاد ثم رجع في سنة سبع عشرة وولي قضاء الحنابلة بالمحكمة الكبرى أولا ثم صار قاضي قضاة الحنابلة بمحكمة الباب وكانت وفاته في سادس عشر شعبان سنة ست وثلاثين وألف.
عبد اللطيف بن بهاء الدين بن عبد الباقي البعلي الحنفي المعروف بالبهائي القاضي الأجل الأفضل كان بارعا في كثير من الفنون فارسا في البحث نظارا مفرط الذكاء قوي الحافظة كثير الاشتغال حسن العقيدة قرأ ببلده بعلبك على جده لأمه العلامة محمد البهائي ثم قدم إلى دمشق وعمره ست وعشرون سنة ولزم بها الشرف الدمشقي والإمام يوسف الفتحي وأخذ عنهما وبرع ثم سافر إلى الروم وسلك طريق القضاء إلى أن ولي أكبر المناصب ببلاد الروم ثم انحاز إلى المفتي العلامة يحيى بن عمر المنقاري فقر به وأدناه ونقله من طريق القضاء إلى طريق الموالي فأعطاه قضاء ترابلس الشأم ثم بلغراد ثم فلبه ونما حظه واشتهر فضله وألف تآليف حسنة تدل على قوة باعه في العلوم منها شرحه على فصوص ابن عربي ونظم متن المنار في الأصول في تسعمائة وثلاثة أبيات وسماه قرة عين الطالب وهو عدد أبياته ثم شرحه شرحا لطيفا وعنونه باسم الوزير أحمد باشا الفاضل وله شرح على ديوان أبي فراس أبدع فيه كل الإبداع ونظمه ونثره كثيران مستوفيان شرائط الحسن والمتانة فمن ذلك قوله في المدح
إليك دون الورى انتهى الكرم ... ومن أياديك تكسب النعم
لن يبلغ المدح فيك غايته ... بل دون معناك تنفذ الكلم
أنت الذي ترتجى مكارمه ... وكم أناس وجودهم عدم
أنت الذي الدهر دون همته ... وفوق هام السهى له قدم
طور وقار بالحلم مشتمل ... بحر نوال بالجود ملتطم
يخجل صوب الغمام نائله ... بل دون هتان كفه الديم
أعتابه مأمن لداخلها ... من كل هول كأنها حرم
وقال يمدح شيخ الإسلام المنقاري بقوله
معاذ الوفا أن يصبح العبد خاليا ... عن الشكر للمولى الذي قد وفا ليا
وأنعم حتى لم يدع لي مطلبا ... وأنكى بما أسدى إلي الأعاديا
وكل الذي أملته من نواله ... حظيت به بل فوق ما كنت راجيا
وفرغ عن قلبي سوى حبه الذي ... تمكن من قلبي وأنعم باليا
فغاية سؤلي في الزمان رضاؤه ... وأقصى المنى إن كان عني راضيا
ولي نفس حر قد أبت غير حبه ... وحاشا لمثلي أن يرى عنه ساليا
وقلب إذا ما البرق أومض موهنا ... قدحت به زندا من الشوق واريا
تحكم فيه حبه واشتياقه ... له الحكم فليقض الذي كان قاضيا
فلله عيش مر لي بظلاله ... أجربه ذيل المآرب ضافيا
أروح فأفضال وأغدو بأنعم ... ويمنحني ورد المحبة صافيا
وفزت بعلم منه عز اكتسابه ... وأصبحت من حلي الفضائل حاليا
إذا ما دجى بحث وأظلم مشكل ... أضاء بنور الفكر منه الدياجيا
يجول على نجب الذكاء بفكرة ... أبت في الذي تبديه إلا التناهيا (2/125)
يفوق على البخر الخضم بعلمه ... وبر حج في الحلم الجبال الرواسيا
يسابق أجناد الرياح إلى الندى ... وينضح جدوى راحتيه الغواديا
نظمت له عقد المديح منضدا ... جعلت مكان الدر فيه القوافيا
وكتب إليه يمدحه أيضا
بأي لسان يحصر العبد مدح من ... دمى من أياديه ولحمي وأعظمي
ومن عشت دهرا تحت أكناف ظله ... أروح بأفضال وأغدو بأنعم
وفزت بعلم منه عز اكتسابه ... وذاك لعمري حسرة المتعلم
ينزهني في ظاهري وسرائري ... بإرشاده عن كل ريب ومأثم
ويمنحني محض النصيحة جاهدا ... يعلمني طرق العلا والتكرم
ولولاه من عبد اللطيف ومن له ... ومن يخدم الأشراف يشرف ويكرم
وحسبي من شكري اعترافي بفضله ... وتصديق قلبي والجوارح والفم
ومن شعره قوله
لا توينسن عدوا ... من الوداد وداجي
تسرى إليه بليل ... من المكيدة داجي
عقد فيه حكمة وهي لا تويسن عدوك من ودادك تسرى إليه بليل من المكيدة وهو لا يدري ومن لطائفه قوله
إن الشجاعة والندى ... سيان في الخلق الجميل
ثقة الكريم بربه ... ثقة المجاهد في السبيل
وله غير ذلك مما يطول ولا تنتهي محاسنه وكانت وفاته في سنة اثنتين وثمانين وألف بفلبه وهو قاض بها.
عبد اللطيف بن حسن الجالقي المعروف بالقزديري الدمشقي الحنفي العالم الكبير المفيد المتورع الزاهد البارع كان من كبار علماء زمانه لم يزل مكبا على الإفادة والتدريس زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة منقطعا عن الناس غني النفس فقيرا صابرا أخذ عن جدي القاضي محب الدين وعن الشيخ محمد بن هلال والشيخ محمد بن علي العلمي المقدسي نزيل دمشق وتفقه بهم ولازمهم كثيرا حتى تمهر وتجرد لنفع الناس فلزمه الجم الغفير من الفضلاء وقرأوا عليه وغالب الأفاضل الذين نبلوا قريب عهده تلامذته وكان صاحب نفس مبارك فأقرأ عليه أحد إلا انتفع به وكان شديد الحرص على تأديب جماعة درسه لا يبرح يخلقهم بالأخلاق الحسنة ودرس بالمدرسة العادلية الكبرى وسكنها إلى أن مات وله من التآليف منظومة في عباددات الفقه يتداولها الطلبة وهي مشهورة بالبركة واليمن وله شعر كثير إلا أنه من شعر العلماء وأجود ما رأيت له قوله من قصيدة
شغفنها ذات حسن مع سيادتها ... ولم ترق لرق صار يرقيها
لا عيب فيها سوى بخل على دنف ... بالوصل يوما وما رقت حواشيها
ولست كفؤا لها شعرا ولا أدبا ... وليس صفر ولا بيض فأهديها
وذاك من زمن قد راب ذا محن ... من غير ما منحته للنفس تجديها
ولقد رأيت جماعة من الآخذين عنه وكل واحد منهم يتغالى في مدحه مغالاة زائدة وقالوا فيه مع فضيلته غفلة وصورة بله في الظاهر من حاله حتى قالوا أنه كان يوما في مجلس أحد قضاة دمشق فدخل الفاضل الأديب عبد اللطيف بن يحيى المنقاري الآتي ذكره قريبا إن شاء الله تعالى وجلس في الجانب المقابل له فقال لهما القاضي في أثناء المخاطبة الحمد لله حصل لنا اللطف من كلا الجانبين فأنشد الجالقي
وفي الحيوان يشترك اضطرارا ... أرسطاليس والكلب العقور
فقال المنقاري الشق الأول لنا والثاني لكم فخجل وأخذ يعتذر عن هفوته وله من هذا القبيل أشياء أخر ومع ذلك فالقول فيه أنه بركة من بركات الزمان وكانت ولادته في سنة ست وثمانين وتسعمائة وتوفي يوم الثلاثاء ثاني عشر المحرم سنة ثلاث وأربعين وألف بعلة الإسهال وأوصى عند الاحتضار أن يقال عند الصلاة عليه الصلاة على العبد الفقير الحقير خادم العلم الشريف عبد اللطيف ونفذت وصيته ودفن بمقبرة الفراديس رحمه الله تعالى.
عبد اللطيف بن عبد المنعم بن زين الدين بن يونس بن محمد العجلوني الأصل الدمشقي المولد المعروف بابن الجابي الفقيه القاضي الشافعي كان أبوه تاجرا في المصوغات بصاغة دمشق ونشأ هو وقرأ ودأب وأخذ عن البدر الغزي والعلاء بن عماد الدين والشهاب الفلوحي والشهاب أحمد بن أحمد بن أحمد الطيبي وتلقى عنه القراآت والعربية والفقه حتى فضل وكان للطيبي فيه علاقة وسعى له في وظيفة الوعظ يوم الثلاثاء بالجامع الأموي وكان فصيح اللسان في الوعظ وفرغ له عن خطابة التورزية وغضب عليه آخر فسعى في أخذها عنه وولي عبد اللطيف نيابة القضاء بمحكمة الكبرى ثم نقل إلى الباب بعد موت القاضي تقي الدين الزهيري وسافر إلى الروم ورجع ومعه براءة بتدريس الشامية البرانية عن عم أبي القاضي عبد اللطيف وقضاء الشافعية بالباب بعد أن كان وجه للقاضي محمود العدوي الزوكاري فسلمت إليه النيابة ولم تسلم له المدرسة ثم وجهت إليه المدرسة بعد مدة من جانب ابن عزمي ولم تبق معه إلا قليلا حتى جاءت عنه للحسن البوريني وبقي ابن الجابي نائبا إلى أن مات وكان سيئ السيرة متهاونا في أمور الشرع وكان يأكل البرش وكان ثقيلا جدا حتى لقب بشباط وفيه يقول النجم الغزي (2/126)
ما زال أشباط بكيفية ... مختلة في حال أخباط
يهذي على الناس كما يشتهي ... والناس كانون بأشباط
وكانون في البيت بفتح النون جمع كان قال في الصحاح رجل كان وقوم كانون وهو من كنيت عن الشيء إذا أخبرت عنه ولم تصرح باسمه ومما قيل في التعريض به بيتا الشاهيني وهما
حركات حاكمنا وقد بلغت ... في البرد أقصى غاية الأمد
حركات غيم شباط حين بدا ... ملآن من ثلج ومن برد
وكان ينظم الشعر ولقد رأيت له أشعارا كثيرة في مجموع كبير بخطه ولم أستحسن له إلا هذه القطعة من قصيدة مدح بها ابن عزمي والحق أنها من سائغ المقول ومطلعها
ما كان يخطر قط في أوهامي ... أن الأسود مصايد الآرام
قف حيث فوقت اللحاظ سهامها ... وانظر لمرمي هناك ورامي
وسل الأمن فكم خلى فارغ ... أمسى قتيل محبة وغرام
لله ما بالقلب والأحشاء من ... حرق وما بالجسم من أسقام
ومدامع تهمى فيحرق لدغها ... خدي ومن يقوى للدغ هوام
وبمهجتي البدر الذي وجناته ... وعذاره كالورد والنمام
القاتل الآلاف من عشاقه ... عمدا بلا جرح ولا آثام
إن لم يكن بمثقل ومحدد ... فبسحر ألحاظ وسحر كلام
باللحظ منه غنيت عن زهر وعن ... خمر فنه نرجسي ومدامي
في خده لام تجر إلى الهوى ... فالقلب مجرور بتلك اللام
ظبي من الأتراك مرعاه الحشا ... والمورد الدمع الغزير الهامي
عرف المراد من الدموع فلم يزل ... يرنو لعاشقه بطرف ظامي
وقرأت بخطه هذه الأبيات خاطب بها بعض من تصدر من غير أهل التصدر
أراك تلوم الناس بالنقص منهم ... وأنت لعمري أنقص الناس في الذكر
فإن أنت في جمع حضرت وبينهم ... أفاضل لم تنطق بشيء سوى الحصر
فأنت كنون الجمع حال إضافة ... وإن شئت بل مثل القلامة من ظفر
ونقلت من خطه أعجوبة ذكر أنه رآها بجزيرة ساقز وهو راجع من الروم بحرا وهي شجر يحمل بطيخا أصفر يعني الخربز والقاوون أشبه ما يكون بشجر التوت وعلى هامشه وأعجب منه ما رأيت في جزيرة مرمرة وهي جزيرة بين مدينة كليبولي وبغاز حصاري يخرج من قاع البحر عين زيت طيب ويعلو إلى وجه البحر لا ينقطع مدى الدهر أبدا رأيتها بعيني مرتين من غير شك في طعمه ورائحته انتهى وكانت وفاته نهار السبت ثاني شعبان سنة ست وعشرين وألف.
عبد اللطيف بن محمد محب الدين ابن أبي بكر تقي الدين عم أبي القاضي عبد اللطيف ابن القاضي محب الدين أحد فضلاء الزمان البارعين كان فيما أعلم من أحواله دراية وخبرا من أنبل أهل عصره معرفة وإتقانا وجمعية للفنون وكتب الكثير بخطه وضبط ورأيت من متملكاته التي وقف أكثرها آخر أمره ما يقارب مائة وخمسين كتابا وغالبها بخطه فما وجدت كتابا منها خاليا من تصحيح وتحرير له وألف تآليف تدل على تمكنه وإحاطته منها تفسير على سورة الفتح وكتاب جمعه في خمسة علوم التفسير والحديث والفقه والتصوف والأدب وفيه أشياء جيدة إلى الغاية طالعته كثيرا وانتفعت به وبالجملة فمن رأى كتابه هذا عرف مقداره من الفضل وأكثر قراءته على والده ولما قدم الشام مع أبيه حضر عند البدر الغزي وأخذ عنه وله مشايخ كثيرة وسافر إلى الروم وأقام بها مدة ونال في صر مكة دينارا ذهبا كل يوم غير ما ناله من القمح المجهز إلى الحرمين من مصر وسافر في أواخر الألف إلى مكة بنية المجاورة وجاور سنة أو سنتين وصحب بمكة السلطان مسعود بن الشريف حسن بن أبي نمى وصار له حظوة عندهم ومدحهم بعدة قصائد وتزوج ثمة ثم اقتضى رأيه أنه تفرغ عن الصر المذكور وعاد إلى دمشق ثم سافر منها إلى الروم وولي قضاء حماة وحصل منها مالا طائلا ثم بعد عزله منها قدم دمشق وتديرها وعمر داره المعروفة به بسوق العنبرانيين عند باب الجامع الأموي وكان محل البيت خانا يعرف بخان الخرفان وقف بعض المكاتب فاشترى أقلاده من الشهاب أحمد الوفائي متولي المكتب واحتكر أرضه بأجرة ثم هدمه وعمره بيتا واقتنى طاحونا وبيت قهوة خارج باب السلامة وبساتين في بيت لهيا ووقفها على قراء ومدرس ومرتزقة يعطون علوفات عينها لهم وشرط أن يكون المدرس الشيخ أحمد الوفائي المذكور وولي نيابة الباب فيما بين مرات وقضاء القسمة العسكرية وكان له عفة ونزاهة ولما مات والده وجه إليه المولى إبراهيم بن علي الأزنيقي قاضي قضاة الشام المدرسة الشامية البرانية عنه وكان بيده قبل ذلك تدريس الظاهرية فجمع له بينهما ثم تفرغ عن الظاهرية وبقيت الشامية في يده وأخذها عنه القاضي عبد اللطيف بن الجابي المقدم ذكره فلم تسلم إليه ثم بعد مدة وجهت عنه إلى الشيخ محمد بن أحمد الحتاتي المصري الآتي ذكره واستفرغه عنها ابن الجابي ثم وجهت للحسن البوريني وبقي صاحب الترجمة بلا مدرسة مدة حتى أعيدت إليه واستمرت عليه إلى أن مات وكان مبتلى بعلة الكبد ولازم الحمية مدة مديدة وكان أول ما عرض له هذا الداء أشار إليه بعض الحكماء أن يكف عن شيئين كل منهما يقتل صاحب هذا الداء وهما التخمة والجماع فكان حذرا من ذلك حتى كان لا يأكل من الخبز إلا قليلا جدا فاتفق له أنه ذهب يوما إلى بستان له واستدعى بعض أخدانه وعمل لهم وليمة فيه فأكل من الفاكهة والنفائس أكثر من عادته ثم عاد إلى بيته فمات في ليلته وكانت وفاته ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة ثلاث وعشرين بعد الألف ويقال أنه جامع في تلك الليلة فمات فجأة ودفن في بيت صغير عمره بالخشابين خارج باب الشاغور وعمر عنده مكتبا لطيفا وهو على طريق مقبرة باب الصغير قريب منها وقرأت بخط والده أن ولادته كانت في أواخر شعبان سنة ست وستين وتسعمائة عبد اللطيف بن يحيى بن محمد بن القاسم المعروف بلطفي بن المنقار الدمشقي الحنفي أحد مشاهير الفضلاء النبلاء وكان مع تمكنه في الفقه وإحاطته التامة بفروعه أديبا إليه النهاية في المحاضرات وحسن البديهة والشعر المرقص أخذ العربية عن الحسن البوريني وتفقه بعبد الرحمن العمادي وأحمد بن محمد بن قولا قسز المقدم ذكره وعليه تخرج في كتابة الأسئلة المتعلقة بالفتوى وفاق في جميع أدوات الإتقان وولي تدريس الماردانية وكتب للعمادي الأسئلة واشتهر أمره وسافر إلى حلب مرات وإلى ديار بكر في عنفوان عمره لعارض عشق عرض له ولم ير له خلاصا إلا السفر والتشاغل بطي المراحل وكنت وقفت على قصيدة لابن شاهين الدمشقي أرسلها إليه إلى حلب وسبب إرسالها أن أحمد بن زين الدين المنطقي ولي قضاءها وقدم إليها وصير أخاه محمد نائبا بمحكمة الباب ووزع بقية الخدمات على أقربائه الأعاجم فأرسل إليه القصيدة المذكورة يرجو منه القدوم إلى الشأم وصدرها بقوله (2/127)
طلعت عليك طليعة الأعجام ... فانهض إلينا قادما بسلام (2/128)
وهي قصيدة عجيبة نحا بها منحى قصيدة السرى الرفا التي أولها
طلعت عليك طليعة الأعراق ... فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب
وقد ذهبت مني نسخة القصيدة وتطلبتها فلم أجد من يأتيني عنها بخبر ولو وجدتها أوردتها هنا لبداعة أسلوبها ولصاحب الترجمة مع أدباء حلب اختلاط تام ومراسلات كثيرة وذكره منهم السيد أحمد بن النقيب في مجموعه فقال في وصفه من فضلاء الزمان الذي يشار إليهم بالبنان وأفراده الذين قلدوا جيده بفرائدهم عقودا وأفاضوا على أعطافه من فوائدهم برودا وله مذاكرة كلها جارية على نهج الاستحسان ومحاورة تحسد عليها العيون الآذان وأشعار قد سرقت نسمة الأسحار من لطفها لطفا وجرى طرف فصاحتها في ميادين البلاغة فلم يترك أمامه طرفا ومن شعره قوله من قصيدة مستلهما
بين خبايا ضلوعي اللهب ... ومن جفوني استهلت السحب
وفي فؤادي غليل منتزح ... يعاف أن الديار تقترب
يا بأبي اليوم شادن غنج ... يعبث بالقلب وهو يلتهب
يسنح لكن بصفحتي رشأ ... والقد إن ماد دونه القضب
صفر وشاح يزينه هيف ... ليس كخود يزينه القلب
إن لاح في الحي بدر طلعته ... فالشمس في الأفق منه تحتجب
أشنب لم تحك برق مبسمه ... يا برق إلا وفاتك الشنب
يطفو على الثغر في مقبله ... حباب ظلم وحبذا الحبب
كأنه لؤلؤ تبدده ... أيدي غذارى أفضى بها اللعب
ما مر في الحلى وهو مؤتلق ... إلا ازدهى الحلي ثغره الشنب
يعطو بجيد كقرطه قلق ... والقلب ما جال منه يضطرب
وسانحات نفثن في عقدا ... لألباب سحرا ودونه العطب
به اختلسن الفؤاد من كثب ... واقتاد جسمي السقام والوصب
تجرح منهن مهجتي مقل ... يفعلن ما ليس تفعل القضب
ظعن والقلب في ركائبهم ... يخفق والجسم للضنى نهب
من فوق خلبي وضعت صاح يدي ... فلم أجده وصدها لهب
هذا أدق من قول المتنبي
ظلت بها تنطوي على كبد ... نضيجة فوق خلبها يدها
لما تيقنت أن روحتهم ... ليس لها ما حييت منقلب
أبليت صبرا لم يبله أحد ... واقتسمتني مآرب شعب
منهن ذات دملج سلبت ... عقلي وعادت تقول ما السبب
أخذ هذا من قول مهيار
قتلتني وانثنت تسأل بي ... أيها الناس لمن هذا القتيل
يصبو جنونا ويدعي سفها ... إني له دون ذا الورى طلب
وليس عندي علم بصبوته ... ولا تعهدت أنه وصب
لو كان فيما يقوله شغفا ... صدق عراه لعشقنا النصب
فقلت لو شئت يا مناي لما ... سألت عني وأنت لي أرب
إن نحولي وعبرتي معا ... بعد أنيني لشاهد عجب
وقوله من قصيدة أرسلها من بلاد ديار بكر يتشوق بها إلى دمشق ويذكر منتزهاتها ومطلعها
سقى دار سعدي من دمشق غمام ... وحيي بقاع الغوطتين سلام
وجاد هضاب الصالحية صيب ... له في رياض النيربين ركام
ذكرت الحمى والدار ذكر طريدة ... تذاد كظمآن سلاه أوام
فتحت على تلك الربوع تشوقا ... كما ناح من فقد الحميم حمام
أيا صاحبي نجواي يوم ترحلوا ... وحزن الفلا ما بيننا وأكام
نشدتكما بالود هل جاد بعدنا ... دمشق كأجفاني القراح غمام
وهل عذبات البان فيها موائس ... وزهر الربى هل أبرزته كمام
وهل أعشب الروض الدمشقي غبنا ... وهل فاح في الوادي السعيد بشام
وهل ربوة الأنس التي شاع ذكرها ... تجول بها الأنهار وهي حمام
وهل شرف الأعلى مطل وقصره ... على المرجة الخضراء فيه كرام (2/129)
وهل ظل ذاك الدوح ضاف وغصنه ... وريق وبدر الحي فيه يقام
وهل ظبيات في ضمير سوانح ... وعين المها هل قادهن زمام
وهل أمول العلم والدين جامع ... شعائره والذكر ليه يقام
وهل قاسيون قلبه متفطر ... وفيه الرجال الأربعون صيام
ألا ليت شعري هل أعود لجلق ... وهل لي بوادي النيربين مقام
وهل أردن ماء الجزيرة رائعا ... بمقصفها والحظ فيه مدام
سلام على تلك المغاني وأهلها ... وإن ريش لي من نأيهن سهام
لقد جمعت فيها محاسن أصبحت ... لدرج فخار الشام وهي ختام
بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الشمال مدام
وغرتها أضحت بجبهة روضها ... تضيء فخلخال الغدير لزام
تناءت عنها فالفؤاد مشتت ... ووعر الفيافي بيننا ورغام
لقد كدت أقضي من بعادي تشوقا ... إليها وجسمي قد عراه سقام
ويتجادله قوله
لهفي على زمن قضيته جذلا ... مسربلا ببرود العز والنعم
مضى كأن لم يكن ذاك الزمان أتى ... حتى كأني به في غفلة الحلم
ما أثمرت لي لياليه التي سلفت ... بلذة العيش إلا زهرة الندم
وقوله:
لله معترك يجول مهفهف ... فيه ولم يثن القوام عقار
وبكفه قصب الدخان كأنها ال ... صعدات لكن للنديم نثار
والوجه عند الشرب منه كأنه ... حلى المجن وقد أثير غبار
وذكره الخفاجي في كتابه الريحانة فقال ولما ارتحلت عن مصر فارقت أترابي ولذاتي وما بها من ذخائر مالي وكنز حياتي
وظئر بلاد أرضعتني بمائها ... وأنفاس نسمات ومهد ديار
مررت على دمشق الشأم فرأيت بها من الكرام فكان من نعمت بلقياه ووقفت على هضباب علاه هذا الأديب الحسيب والروض الأريض والربيع الخصيب فحباني بأنفاس من أنفاس الخزامة أندى وهبت منه نفحات أنس كنفحات روض قبيل الصبح يلتها الأندا فعطر بفضائله المجامع وفكه بثمرات أدبه المسامع وأهدى إلي في مشرفة قصيدة حباني بها وهي قوله بأفق دمشق قد طلع الشهاب ثم أوردها بتمامها فلا حاجة بإيرادها هنا فالحاصل أن فضائله وآدابه مشهورة مسلمة وكانت وفاته في سنة سبع وخمسين وألف رحمه الله.
عبد اللطيف المعروف بأنسي أحد موالي الروم ودرة قلادة الأدب وواحد الزمان في الكمال والمعرفة أصله من بلدة كوتاهية وبها ولد ثم دخل دار الخلافة في حداثة سنة فخدم قاضي القضاة محمد بن يوسف الشهير بنهالي وورد معه إلى دمشق لما ولي قضاءها في سنة اثنتي عشرة وألف واعتنى به مخدومه هذا فأقرأه وأدبه حتى مهر وتفوق وصيره ملازما منه وكان من أوائل أمره ظريف النادرة وكان ربما قصد مخدومه بنكاته فيستحسنها ويزيد في الإقبال عليه ومما يستحسن من مضامينه معه أن مخدومه تبجح يوما بأنه لم يل مدة عمره مدرسة ولا منصبا مرتين فقال أحمد الله على أنه لم يقع لي حركة مثلية وكان السلطان قبل ذلك نفاه إلى جزيرة قبرس لأمر جرى له فقال له أنسى في الجواب استثنوا تلك الحركة المثلبة إلى قبرس ثم بعد موت مخدومه تلاعبت به الأسفار والأحوال إلى أن استقر بمصر وولي قضاء الركب المصري ومحاسبة أوقاف مصر وذلك في سنة ثمان وعشرين وألف ثم عاد إلى الروم وولي بها مدرسة ثم صار قاضيا بطرابلس الشأم في سنة ثمان وأربعين وألف ووقع بينه وبين الشيخ عبد الرحمن العمادي إذ ذاك مراسلات فمن ذلك ما كتبه إليه العمادي
مولاي أنسى الذي طابت طرابلس ... به وأصبح فيها الوحش في أنس
ومن غدا فضله في العصر مشتهرا ... كالشمس في شفق والصبح في غلس
أنت الذي فخر العصر العصور به ... وقصرت كل مصر عن طرابلس
أوصيكم بالحكيم الشيخ مخلصكم ... محمد بن غدا يعزى لأندلس
حملته بث شوقي كرتين لكم ... لعله بثه أو كان قبل نسي
قد كان لي حر أشواق فضاعفه ... قرب الديار كثب النار بالقبس (2/130)
لكن رجونا لقاء منك يطفئه ... يا رب فاجعل رجائي غير منعكس
فراجعه بقوله
هذا كتابك أم ذي نفحة القدس ... يا طيب الله ذاكي عرف ذا النفس
قد حلا كلما كررته بفمي ... كأنه أشنب قد جاد باللعس
كأنما كل سطر مفعم أدبا ... غصن توقره الأثمار لم يمس
كأنهن المهاري وقرها درر ... وفي سوى القلب والأسماع لم تطس
تعلم بديع جناس الالتفات حلا ... منه فبالله هذا ظبية الأنس
مخايل السحر تبدو من دقائه ... كاللحظ أجفانه مالت إلى النعس
لنا به كل وقت عن سواه غنى ... في طلعة الشمس ما يغني عن القبس
تكسو المسامع أشنافا مضاعفة ... وتكتسي صنع صنعاء وأندلس
فبينما نحن نجني من أزاهرها ... إذ أشرقت وهي مثل الزهر في الغلس
وبينما هي تجلي في طرابلس ... والشأم طلت على مصر ونابلس
أذكرتني منه ما لم أنسه أبدا ... ولم يزل مؤنسي في مجلس الأنس
يا من تنزه عن أحصا فضائله ... هل في حسابك أنسى للعهود نسي
وإنني لحفيظ للوداد ولو ... أعياك رسم وداد غير مندرس
لا زلت عمدة أهل الفصل في صعد ... إلى العلى يا عمادي غير منتكس
ما لي سوى نسمات الشعر أبعثها ... تحية لدمشق من طرابلس
فكتب إليه العمادي وغير الوزن والقافية
عقدت لنفسي عهد ودك يا أنسي ... وقلبي حفيظ قط للعهد ما أنسي
وحسبك إذ أضحى ثناؤك ديدني ... فيورد في وردي ويسرد في درسي
رفعت عمادي في بيوت بنيتها ... من المجد والفضل البليغ على أس
لقد سحبت سحبان للعي مفحما ... وجرت جرير اللفهاهة مع قس
أتت تتهادى في الطروس كأنها العروس إذا ما تجلى ليلة العرس
ولما تجلى في دجى النفس بدرها ... تلوت عليها عوذة آية الكرسي
إذا مسها كف الحسود لحسنها ... تخبطه الشيطان غيظا من المس
وتعقل عقل الساحرين بسحرها ... فأحسن بها فتانة الجن والأنس
جنينا ثمار الفضل من روض غرسها ... وناهيك روضا يانعا طيب الغرس
فيأيها المولى الذي شاع فضله ... لأسماعنا حتى شهدناه بالحس
قصيدتك الفصحى كستنا بفصلها ... ملابس فخر لبسها أنفس اللبس
وشاع لها ما ين جلة جلق ... سنا بهجة قد لقبت ضرة الشمس
فما كل من صاغ العاني صائغا ... وكم بين دينار نضار إلى فلس
فدم لتنال الشام فوزا بكم كما ... طرابلس فازت ومصر مع القدس
ولا زالت في ثوب السعادة رافلا ... وتصبح في عز وفي نعمة تمسي
خدين العلا ما الشمس حمراء أشرقت ... وما غربت في الأفق صفراء كالورس
ثم ولي قضاء بلده كوتاهية ومرعش مرات وأعطي قضاء الجيزة بمصر على وجه التأييد فرحل إلى مصر وأقام بها مدة ثم ولي قضاء طرابلس ثانيا وعزل عنها ثم صار قاضيا بمكة المكرمة ثم بغداد ثم طرابلس ثالث مرة ولما أنشأ الوزير محمد باشا كوبريلي وقفه كلف إلى إنشاء وقفية فصنعها على أسلوب عجيب من الإنشاء التركي البديع وصدرها بديباجة من إنشائه العربي فقال سبحانك اللهم ما أصح حجتك وما أوضح محجتك تبارك اسمك يا مالك الملك والملكوت وتعالى جدك يا ذا الجلال والجبروت لك الحمد على آلائك المسلسل غيثها ونعمائك المحتبس على سبيل الإطلاق غوثها حمدا تدوم موجباته وتقوم على قائمة الأبد مثوباته تتباهى به الأخيار لم لا وأنت به المحمود ولا يتناهى من بركاته الأدرار كيف وهو بدار الخلود ولك الشكر على هدايتك لشراء جواهر الأجور الباقية بالإعراض السيالة الفانية وبيع زواهر الأمور الدنيوية الدنية بأزاهر الرياض الأخروية الرضية السنية شكرا يليق بما أوليت من توالي رواتب نعمك ويذيق الواقفين نفائس أنفاسهم على استعمال ذكرك لذة القبول بكرمك أنت مبدئ النشأة الأولى فضلا بلا استحقاق تباركت عن الوجوب عليك ومعيد النشأة الأخرى لإنجاز وعد الجزاء فسبحانك لا شيء إلا منك وإليك لا إله غيرك ولا مر جوالا خيرك صل وسلم على مدينة العلم نبيك الأمي وخزينة الحلم رسولك العربي سيدنا وسندنا محمد معلم الناس الخير ومتمم النعم عليهم فقريب القربات إليهم ليجلبوا النفع ويدفعوا الضير وعلى آله أكارم الخلق في مكارم الأخلاق وصحبه الصارفين في ارتزاق المحسنين بأنفاس الهداية نفائس الأرزاق ما دعا إلى تشمير ساق البرد داعي الدواعي وسعى لتعشير خطي الخير ساعي المساعي. فلما رآها الوزير أعجبه حسن رونقها فأقبل عليه وصيره قاضياص بإزمير فضبطها مدة سنتين وحصل منها مالا كثيرا فكانت سبب انتظام حاله وعن مدتها عني في قوله وقد سئل عن عمره فقال سنتان يومي إلى قولهم عمر الفتى زمان الراحة ومن هذا الباب قول محمد الحتاتي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى (2/131)
عمر الفتى قالوا زمان الرضا ... بصفوة الأحباب في اليسر
صدقت ما قالوه كي يقبلوا ... فينظروا شيخا بلا عمر
ومنه قول الشاهيني من قصيدة
عددت أويقاتي ولاحظت طيبها ... فأجودها ما مر في الحلم من دهري
إذا رحت أحصيها لأعلم يسرها ... عدمت حياتي والمصير إلى عسر
متى ما اعتبرت العمر ما كان صافيا ... تجد رجلا قد عاش عمرا بلا عمر
وكلاهما أخذ من قول الأمير أسامة بن منقذ
قالوا نهاه الأربعون عن الصبا ... وأخو المشيب بحوز ثمة يهتدى
كم حار في ليل الشباب فدله ... صبح المشيب على الطريق الأقصد
وإذا عددت سني ثم نقصتها ... زمن الهموم فتلك ساعة مولدي
ويروى عن بعض المجان أنه قال صرفت من عمري كذا في بلدة كذا وكذا في كذا وكذا في بعلبك فما كان في غيرها عددته من عمري ولا خسران وما كان فيها فعلي الطلاق لا أعده من عمري فإنه محض خسارة وصاحب الترجمة كما رأيت ممن أوتي حسن الإنشاء العربي وقد وقفت له على رسالة كتب بها إلى المولى عبد الله بن عمر معلم السلطان عثمان والده وهو قاضي العسكر يتشكى فيها من معاناة بعض الخطوب وهذه الرسالة أنا شغف بها جدا وكثيرا ما يختلج في صدري أن أشرحها شرحا أبين فيه ما تضمنت من الأمثال والنوادر وقد عن لي الآن أن أذكرها وأوضح بعض مغلقاتها وهذه هي. طالما شمت بروقك مستمطرا للأماني فكانت خلبا وتعرضت لعوارضك مستبشرا بالتهاني فانحسرت قلبا ولم يصب ربي مآربي من هاطل سحائب زخارفك وابل ولا طل ولا حصلت سوائم مطالبي من غدران طرائفك على نهل ولا عل ورصفت صروفك لي سافا على ساف فأسفت حتى ما أشتكي السواف السواف ذهاب المال وإذا أتت على أم اللهيم لا رئمت لخل توضيم أتت عليه أم اللهيم أي أهلكته الداهية ويقال المنية والبوجلد الحوار المحشو نبتا وأصله أن الناقة إذا ألقت سقطها فحيف انقطاع لبنها أخذوا جلد حوارها فيحشى نبتا ويلطخ بشيء من سلاها فترأمه وتدر عليه يقال ناقة رؤم إذا رئمت بوها أو ولدها فإن رئمته ولم تدر عليه فتلك العلوق يضرب المثل لمن ألف الضيم ورضي بالخسف طلبا لرضى غيره بل لما دلكت بوح فلا ترى ورأيت الكواكب مظهرا قلت الظمأ الفادح خير من الري الفاضح ظمأ قامح إلى آخره قال الخليل القامح والمقامح من الإبل ما اشتد عطشه حتى فتر لذلك فتورا شديدا فوصف به الظمأ وهو في المعنى لصاحبه يضرب في وجوب صون العرض وإن احتملت فيه المشاق وتجنب القريحة وإن قرن بها العيش البارد ويقال القامح الذي يرد الحوض ولا يشرب يضرب في القناعة وكتمان الفاقة ويروي ظمأ فادح خير من ري فاضح الفادح المثقل يقال فدحه الدين أي أثقله فأوهى لصروفك سقائي ولا هريق لحدثانك بالفلاة مائي أصل المثل خل سبيل من وهي سقاؤه ومن هريق بالفلاة ماؤه أي إذا كره الخليل صحبتك ولم يستقم لك فاز هدفيه كزهده فيك وهراقة الماء مثل لخلو القلب عن المودة يضرب لمن كره صحبتك وزهد فيك ولم أقل لشدائدك الوصام ما وراءك يا عصام ما وراءك يا عصام مثل يروى بكسر الكاف وخرج على ما قال المفضل أول من قال ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة وذلك أنه لما بلغه جمال ابنة عوف بن محلم وكمالها وقوة عقلها دعا امرأة من كندة يقال لها عصام ذات عقل ولسان وأدب وقال لها اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف فضت حتى انتهت إلى أمها وهي أمامة بنت الحارث فأعلمتها ما قدمت له فأرسلت إلى ابنتها وقالت أي بنية هذه خالتك أتتك لتنظر إليك فلا تستري عنها شيئا إن أرادت النظر إلى وجه ولا خلق وناطقيها إن استنطقتك فدخلت إليها فنظرت إلى ما لم تر مثله قط فخرجت من عندها وهي تقول ترك الخداع من كشف القناع فأرسلتها مثلا ثم انطلقت إلى الحارث فلما رآها مقبلة قال ما وراءك يا عصام قالت صرح المحض عن الزبد ثم ذكرت محاسنها وحملت إليه فعظم موقعها منه وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن وروى أبو عبيد ما وراءك على التذكير وقال يقال أن المتكلم به النابغة الذبياني قاله لعصام بن شهبر حاجب النعمان وكان النعمان مريضا فسأله النابغة عن حال النعمان فقال له ما وراءك ومعناه ما خلفت من أمر العليل أو ما أمامك من حاله ووراء من الأضداد قال الميداني قلت يجوز أن يكون أصل المثل ما ذكر ثم اتفق الاسمان فخوطب كل بما استحق من التذكير والتأنيث هذا وإن صرت الحوالب وأردت بالكلاب الثعالب فإني لم يصلد قدحي ولم أجهل وسم قدحي بل لزمت لكل حال مقاما ونفس عصام سودت عصاما وإن يك قد بدر من صروفك ما بدر فأسلمت الجلة فالنيب هدر الجلة جمع جليل يعني العظام من الإبل والنيب جمع ناب وهي الناقة المسنة يعني إذا سلم ما ينتفع به هان ما لا ينتفع به لقد زهدت في الضنائن وقبل الرماء تملأ السكائن قبل الرماء تملأ الكنائن أي تؤخذ الأهبة قب لوقوع الأمر (2/132)
وإني لأخفي باطني وهو موجع ... فينظر مني ظاهري وهو ضاحك
وأسئل عن حالي وبي كل فاقة ... فأوهم أني للعراقين مالك
يا طالما زممت نفسي عن شربة بالوشل وكل شيء أخطأ الأنف جلل وإني وإن كسرت على الأرعاظ وأزمعت على أن ترمين من نار صر وفك بشواظ وقشرت إلى العصا وركبت على أصوص صوصا قشرت له العصا يضرب في خلوص الود أي أظهرت له ما كان في نفسي ويقال أقشر له العصا أي كاشفه وأظهر له العداوة والثاني هو المراد هنا وركبت على أصوص صوصا الأصوص الناقة الحائل السمينة والصوص اللئيم كراكب على جناحي نعامة وإني لأجمل أخلاقا من ذي العمامة ركب على جناحي نعامة يضرب لمن جد في أمرا ما الانهزام وأما غير ذلك وأجمل من ذي العمامة مثل من أمثال أهل مكة وذو العمامة سعيد بن العاص بن أمية وكان في الجاهلية إذا لبس عمامة لا يلبس قرشي عمامة على لونها وإذا خرج لم تبق امرأة إلا خرجت لتنظر إليه من جماله وزعم بعض أصحاب المعاني أن هذا اللقب إنما لزم سعيد بن العاص كناية عن السيادة قال وذلك لأن العرب تقول فلان معمم يريدون أن كل جناية يجنيها الجاني بتلك القبيلة أو العشيرة فهي معصوبة برأسه فإلى مثل هذا المعنى ذهبوا في تسميتهم سعيدا ذا العصابة وذا العمامة (2/133)
تزيدني شدة الأيام طيب ثنا ... كأنني المسك بين الفهر والحجر
بيد أني أعتبك في أخرىوألومك على الأحرى. حيث أقصيتني من معاذ المعتفين وعياذ المقتدين والمقتفين قائد كتائب سباق المعالي في مضمار المجد والممدوح بذكر محامده المحمودة في كل غور ونجد مالك نواصي مصالح الجمهور ماضي حسام الأمر في مستقبلات الأمور جرثومة الفضائل والمحامد أرومة قطيبة الأفاضل والأماجد أفلاطون الأوان أرسطاليس الزمان مربي السلطنة السنية العثمانية معلم الحضرة العلية السلطانية من يقول لسان الحال في شأنه وعلو قدر مخدومه وسلطانه
من مخبر الأقوام أنى بعدهم ... لاقيت رسطاليس والإسكندرا
ورأيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذالك إذ أتيت مؤخرا
وكيف لا وهو الذي يتزين بمثله ألقابه ويتشرف بالانتساب إليه أنسابه
من شاد سيرته المرضى منهجها ... بالعدل والحق ما قد شاده عمر
وهو المسمى به لا زال يتبعه ... في فعله ما أضاء الشمس والقمر
لعمري لقد حوى كل فضل ومكرمه وإذا تولى عقد شيء أحكمه مركز دائرة السماحة والحماسة قطب رحى السياسة والرياسة
تود عيون الناس عند ثنائه ... لو انقلبت أحداقها بالمسامع
فإني لما توجهت تلقاء مدين وجوده وجدت على ماء كرمه وجوده أمة من الناس يسقون ويستقون وبعلى هممه وعميم نعمه إلى مدارج معارج المعالي يرقون ويرتقون
فما ألبس الله أمر أبين خلقه ... من المجد إلا بعض ما هو لابسه
ولما صار أيها الدهر الغدار أثر الصرار دون الذئار أصله أثر الصرار يأتي دون الذئار الصرار خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضع الفصيل والذئار بعر رطب يلطخ به أطباء الناقة لئلا يرتضع الفصيل أيضا فإذا جعل الذئار على الخلف ثم شد عليه الصرار فربما قطع الخلف يضرب هذا في موضع قولهم بلغ الحزام الطبيبين يعني تجاوز الأمر حدة وقلت إذ نبذتني بالعرا أسوأة عروس ترى فما ساءتك لحوادثك شرواي ولا شغلت شعابي جدواي
تنكرت لي دهري ولم تدر أنني ... أعزو أهوال الزمان تهون
فبت تريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريك الصبر كيف يكون
وإن يك عدا قارصك فحزر وأخلف مدك فجزر القارص اللبن يحذى اللسان والحارز الحامض جدا عدا القارص فحزر مثل يضرب في الأمر يتفاقم ويروى بنصب القارص أي عدا القارص أي حد القارص ومن رفع جعل المفعول محذوفا أي جاوز القارص حدة فحزر فأنا الذي لا تعصب سلماته وأخبرت عن مجهولاته مرآته لم أبع الكبة بالهبة وشتى تؤوب الحلبة شتى تؤوب الحلبة كانوا يوردون إبلهم وهم مجتمعون فإذا صدروا تفرقوا واشتغل كل واحد بحلب ناقته ثم يؤوب الأول فالأول وشتى في موضع الحال أي تؤوب الحلبة متفرقين يضرب في اختلاف الناس وتفرقهم في الأخلاق
لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار
ولئن أظهر هلالي ثراؤك وهاجت زبراؤك وانكشف بلمعك اللامع واتسع الخرق على الراقع وقال لسان حالك لولا الوئام لهلك الأنام لولا الوئام هلك الأنام الوئام الموافقة يقال واءمته مواءمة ووئاما وهي أن تفعل كما يفعل أي لولا موافقة الناس بعضهم بعضا في الصحبة والمعاشرة لكانت الهلكة هذا قول أبي عبيد وغيره من العلماء وأما أبو عبيدة فإنه يروي لولا الوئام لهلك اللئام وقال الوئام المباهاة قال أن اللئام ليسوا يأتون الجميل من الأمور على أنها أخلاقهم وإنما يفعلونها مباهاة وتشبها بأهل الكرم ولولا ذلك هلكوا ويروى لولا اللئام لهلك الأنام من قولهم لأمت بينهما أصلحت من اللائم وهو الإصلاح ويروى اللوام بمعنى الملاومة من اللوم صبرا على مجامر الكرام قال قوم راود يسار الكواعب مولاته عن نفسها فنهته فلم ينته فواعدته فحذل فذكر ذلك لصاحب له فقال ويلك يا يسار كل من لحم الحوار واشرب من لبن العشار وإياك وبنات الأحرار فأبى إلا هواها فأتاها فقالت له إني مبخرتك ببخور فإن صبرت عليه طاوعتك ثم أتته بمجمرة فلام جعلتها تحته قبضت على مذاكيره فقطعتها فقالت صبرا على مجامر الكرام يضرب في احتمال الشدائد عند صحبة الكبراء هيهات أيكون الوعر سهلا والخمر تكنى بالطلا هي الخمر تكنى بالطلا يضرب للأمر ظاهره حسن وباطنه على خلاف ذلك إذ لام المعيدي ونفر واعتبر بأوله السفر وحجت السحائب السوق وشب عمر وعن الطوق فالبث قليلا تلحق الحلائب أنه مع الخواطئ سهم صائب يضرب للذي يخطي مرارا ويصيب مرة والخواطئ التي تخطئ القرطاس وهي من خطئت أي أخطأت قال أبو الهيثم هي لغة ردية قال ومثل العامة في هذا رب رمية من غير رام قال أبو عبيد يضرب قوله مع الخواطي للبخيل يعطي أحيانا مع بخله. (2/134)
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
إني قد شمرت ذيلا وادرعت ليلا وقدمت كتابي وتوجهت بوجه خطابي إلى حضرة مولى الموالي وقرة عين الموالي سيد صناديد الروم وسند السادة القروم أنهى إلى سدته السنية وعتبته العلية أن شوقي إلى تمريغ خد الملازمة في تراب بابه المشيد وبسط ذارعي العبودية بوصيده السعيد شوق الغريب إلى الوطن والنازح إلى السكن والمهجور إلى العناق والمخمور إلى الكاس الدهاق والصديان إلى الماء القراح والحيران إلى تبلج الصباح ولولا خشية الإملال بعد رعاية عدم الإخلال لأرخيت عنان أدهم القلم في ميادين الشكوى ونشرت دفين الألم الذي عليه أطوى لكني زحمت جماحه وكسرت جناحه رفقا أن يألم مولاي وإشفاقا أن يلتاح قلبه من جراي وأمرته أن يرد فناء سيدي مسرورا فرحا وأن يسحب ذيله بساحاته مرحا ويسفر طلاقة وسرورا وبشرا ويفتر بمبسم خريدة عذرا مقبلا للأرض بين يديه قاضيا بعض ما يجب من الثناء عليه إذ ليس بممكن أداء الثناء ولا البلوغ إلى غايته وكنهه
هيهات أن تصل العناكب بالذي ... نسجت أناملها ذرى الأفلاك
ذلك أعز من بيض الأنوق وأبعد من العيوق والأبلق العقوق ولكن كفى المتن المفسر وما يوم حليمة بسر ثم أمرته أن ينادي في شريف حضرته بين قطيبته وأسرته
يا من يعز علي إلا عزة جاره ... ويذل من سطواته الجبار
لله قلبك لا يخاف من الردى ... وتخاف أن يدنو إليك العار
أشكوك إذ قلب لي دهري ظهر المجن وأردف علي الخطوب والمحن وتركني في أقفر من أبرق الفراق وأهلك من ترهات البسابس والجراق يقال أقفر من برية الفراق ومن برية خساق وأهلك من ترهات البسابس قال أبو عبيدة أنه مثل من أمثال بني تميم وذلك أن لغتهم أن يقولوا هلكت الشيء بمعنى أهلكته وقال الأصمعي أن الترهات الطرق الصغار المتشعبة من الطريق الأعظم والبسابس جمع بسبس وهو الصحراء الواسعة التي لا شيء فيها فيقال لها بسبس وسبسب بمعنى واحد هذا أصل الكلمة ثم يقال لمن جاء بكلام محال أخذ في ترهات البسابس وجاء بالترهات ومعنى المثل أنه أخذ في غير القصد وسلك في الطريق الذي لا ينتفع به كقولهم ركب فلان بنيات الطريق وأخذ يتعلل بالأباطيل وقوله والجراق لم أره في الأمثال والظاهر أنه أراد الجراق بالضم والتشديد وهو السيل الذي يذهب بكل شيء وكان لي اخلف من خفي حنين وأشح من ذات النحيين وسلكني في طريق يحن فيه العود ومهمه يظمأ فيه الذود وأعطاني اللفا عن الوفا وجرعني حيث لا يضع الراقي أنفا رضي من الوفا باللفا الوفاء التوفية يقال وفيته حقه توفية ووفاء واللفا الشيء الحقير يقال لفه حقه إذا أبخسه فاللفا والوفا. صدران يقومان مقام التوفية واللفية يضرب لمن رضى بالتافه الذي لا قدر له دون التام الوافر وجدد لي في كل آن متربه وأراني في كل واد أثرا من ثعلبه بكل واد أثر من ثعلبه هذا من قول ثعلبي رأى من قومه ما يسوءه فانتقل إلى غيرهم فرأى أيضا منهم مثل ذلك يضرب لمن يرى ما لا يريد أين توجه ومثله بكل واد بنو سعد فنفرت الذود عن الأعطان والتقت حلقتا لبطان ولا يدعى للجلى إلا أخوها وللعظيمة إلا أبوها وقد حداني فكري إلى ساحتك الكريمة حدوا وأعلقت بدلوي دلوا وقلت لنفسي أصبح ليلك ووفى كيلك لقد بلغت العرى وأصبت قرن الكلا وركبت على أتمك من سنام وألقيت مرامي مرامك بذي رمرام الرمرام حشيش الربيع والشاة ترم الحشيش بمرمتها فيأيها المولى الذي غز جاره ولا تصطلى ناره إليك قد أفضيت بشقوري وأخبرتك بعجري وبجوري الشقور بفتح الشين وضمها فعلى الأول هو في مذهب النعب والشقور الأمور المهمة الواحدة شقرة ويقال أيضا شقور وفقور واحد الفقور فقر وقال ثعلب يقال لأمور الناس شقور وفقور وهماهم النفس وحوائجها يضرب لمن يفضى إليه بما يكتم عن غيره من السر فإنك ابن بجدة المكارم وعذيقها المرجب ومرمى نجدة الأكارم وبازها الأشهب (2/135)
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
ومن توهمت أن البحر راحته ... جودا وأن عطاياه جواهره
اللهم جدا لا كدا سمعا لا بلغا فإني لم أزل في خلال هذه الضراعة لابسا جميل حلل القناعة مرتديا ببردة الصبر الجميل سالكا في سلوك آدابي سواء السبيل
مدامي مدادي والكؤس محابري ... وندماي أقلامي وفاكهتي شعري
ومستمعي ورقاء ضنت بحسنها ... فأسدلت الأستار من ورق خضر
إلى أن آنست من جانب طورك نار القرى وعلمت أن الصيد في جوف الفرا فخلعت عند ذلك نعلي عزيمتي وحققت في المأمول منك صريمتي وأرعيت سمعي لمنادي جودك من جانب طور وجودك متى يقال لي أفرخ روعك وأخضل فرعك وبرأ جرحك وزال برحك
قصدي والراجون قصدي إليهم ... كثير ولكن ليس كالذنب الأنف
ولا الفضة البيضاء والتبر واحدا ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف
حاشا سيدي أن يخلف مخيلة عبده أو يصده بعذر عن مأموله وقصده فأكون لا مائي أبقيت ولا درني أنقيت فإن الإسعاف شرف والمعذرة طرف
حاشا سجيتك الكريمة أن تحد ... عن منهج الإسعاف والإسعاد
ودونك ما سردته من أمثال العرب السائرة السارية وأوردته عند إجالتي في تيارها جواري فكري الجارية فخذها ولو بقرطي مارية وإن كنت في ارتكاب هذه الخطة وطي هذه الشقة المشطة كمستبضع الثمر إلى هجر والفصاحة لأهل الوبر لكني أردت إزالة وهم المتوهم من كل منجد ومتهم أن مكابدة هذه الشدائد التي لا ينادى لها ولائد لم تمنعني من الاجتهاد والطلب للعلوم النافعة والأدب فإن الموت الفادح خير من العي الفاضح وأخصر عطب عدم الأدب وإلا فأنا وكل يعلم أن الفصيح لدى سيدي أبكم ومع ذلك فجل القصد وغاية المبذول من الجهد التوصل بالانتساب إلى رفيع أعتابك والانتماء إلى منيع جنابك إلى البراعة في سائر العلوم من كل منطوق ومفهوم وحراسات الأوقات بإدراك متوسط الأقوات وقد نثرت في وصف محامك الحميدة درها ومن ينكح الحسناء يعط مهرها هذا جناي وخياره فيه وكل جان يده إلى فيه والمرجو والمسؤل التلقي بالقبول والإسعاف بنيل المأمول فإن مولانا أكرم الناس شنشنه وأولى من ستر سيئة ونشر حسنه لا أصابتك عين الكمال ولا سلب الدهر بفقدك ثوب الجمال ولا برحت كعبة للجود وعصرة للمنجود ونورا يلوح في أبناء الوجود ما حدى بالضمر القود إلى شفيع اليوم المشهود شعر (2/136)
فيأيها المنصور بالجد سعيه ... ويأيها المنصور بالسعي جده
لئن نلت ما أملت منك لربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده
فكن في اصطناعي محسنا كمجرب ... يبن لك تقريب الجياد وشده
إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده
وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده
وإنك للمشكور في كل حالة ... ولو لم تكن إلا البشاشة رفده
وكل نوال كان أو هو كائن ... فلحظة طرف فاح عندي نده
وما رغبتي في مسجد أستفيده ... ولكنما في مفخر أستجده
يجود به من يفضح الجود جوده ... ويحمده من يفضح الحمد حمده
فإنك ما مر النحوس بكوكب ... وقابلته إلا ووجهك سعده
هذا ما رآه قريح القريحة الكابي جوادها وأرواه قدح قدح لأفكار الخابي زنادها
فقد يكبو الجواد لغير داء ... وقد يخبو الزناد وفيه نار
ولما عرضته على ذلك الجناب الرفيع الرحيب رحاب الجد وأحللته تلك الأبواب الموقفة على الأعتاب بالجد لحظة من الرضى بعيون ترى النجوم ظهرا وقابله بقبول يخلق لقلائد المدح من المكارم صدرا وإن كنت في ذلك كهدى نور نور البراعة لذكاء روض الذكا وجالب برود وشي الصنائع بين يدي صنائع بلاغته صنعا فكالنجم يهتدى به وإن غطت على نوره الشمس وكالسحاب يستمطر اليوم وإن أمدته البحار أمس وعلمت أن حصباء ثرى الجد بها أثرى من دراري السماء سنا وأسنى من در البحار بها وكاد سقى الله ثراه ورقى إلى أعلى العليين ذرى مثواه أن ينتاشني بيد الإسعاف من بين أنياب أسد النوائب ويكتب على صحائف الزمان بنصري كتب كتائب المصائب ثم لم ألبث إلا وقد انفجر فجر ليلة الوصل عن ينابيع النوى وحالت غيوم سوء الحظ بين طرف المنى وشمس الضحى فظل سائر تلك الآمال في هجير الإغفال لا يجد ظلا وروض هاتيك المواعيد لا يرى من الإنجاز وابلا ولا طلا وصار نسيا منسيا كأنه لم يك شيا
ويممته بحرا وقد حال دونه ... عواصف سوء الحظ لا بخل البحر
فبينا أنا في ليلة طال جنح سهادها وعبثت أيدي أطفال الأفكار بكاس رقادها أقلب في أسفاط الخمور أسفار الآداب الكاسدة وألحظ سائل سلسال المعارف بعيون الإفهام الجامدة إذ عثر ذيل نظري بخدر خود فكري فرأيت هذه الأوراق مخبوءة في زوايا خمولها مرتقبة في ليل آمالها طلوع صبح بلوغ مأمولها فبت إذ ذاك وتهللت فرحا وقلت الوحا الوحا فقد جاء الإبان وآن الأوان وأقبل سعد الأوان وقامت سوق العرفان وطلعت الشمس إن غاب بدر وخلفت البحار إن أخلف قطر فما دولة سيدي خامس العبادلة سلمه الله تعالى إلا موسم الأحرار وربح متاجر مدائح الأخيار فالولد سر أبيه وفرع ذلك الأصل النبيه
بأبه اقتدى عدي في الكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم
وعلمت أنه أحرز رقى بالولا لما ورث عن أبيه العلا وأنه بذلك أحرى وجواد جوده أجرى وإني وإن عرضتها على جناب حضرته وتعرضت بها لنفحات أريحيته فقد أعطيت القوس باريها ووافيت حومة السبق بمجليها وإن مواطر تلك لرعود تنبت الآن زهر الظفر وأزهارها سرورها يجني عنها من الإنجاز الثمر (2/137)
خلائق دلتنا على طيب أصلها ... ومن طيب أصل المرء طيب فعاله
كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السما تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فها أنا قد مثلتها بين يديه لتقبيل ذيوله وأكف دعائها مبسوطة تلقاء مدين سماء قبوله فالله يبقيه ما لمع بارق وأنجز وعد صادق. وهذا آخرها والإنصاف أنها من أمتن الإنشاء وأجوده وله أخرى لا تقصر عنها أوردتها في كتابي النفحة وأشعاره منشآته بالعربية والتركية كثيرة وكلها جيدة مرغوبة وكان لما سافر الوزير أحمد باشا الفاضل إلى سفر إيوار جعله قاضيا ينظر الأحكام في العساكر فتوجه معه وأعطي قضاء سيروز على وجه التأييد ثم بعد فتح إيوار وجه إليه قضاء الشام فدخلها نهار الثلاثاء ثاني عشر جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وألف وقيل في تاريخ توليته أزال الله وحشتنا بأنسي وكان قدومه عند أهل الأدب موسما عظيما وتباشر الفضلاء بذلك وسروا وشرع الشعراء يردون عليه بالمدائح العظيمة ومن مدحه الأمير المنجكي بقصيدته المشهورة التي مطلعها
غريب وإني في العشيرة من أهلي ... أرى الخصب ممنوع الجوانب من محل
ثم في ثالث يوم من وصوله مرض واستمر مريضا ستة أيام ثم توفي عصر نهار الثلاثاء تاسع عشر الشهر المذكور وصلي عليه ثاني يوم من وفاته في الجامع الأموي في مشهد حافل ودفن في الحديقة قبالة جامع السنانية وكثر الأسف عليه.
عبد الله بن أبي بكر صائم الدهر اليمني السيد الولي العارف بالله تعالى كان على قدم كامل من العبادة والصيام والقيام وسلامة الصدر ولين الجانب توفي في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وألف ودفن بتربة أبيه بالمرتفع من أعمال بيت الفقيه ابن حشيبر وكانت وفاة أبيه سنة ألف ووفاة أخيه الولي الشهير أبي القاسم بن أبي بكر سنة سبع عشرة وألف وكان ذا صيام وقيام وعلم وعمل وأخلاق رضية وتصرفات في الولاية ظاهرة وبالجملة فشهرتهم كلهم تغني عن التصريح بحالهم.
عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن أحمد بن أبي القاسم بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل كان سيدا كامل المعرفة بالعلوم من الفقه والحديث والتفسير والنحو والمنطق وله الحكم العجيبة فتحا من الله تعالى والقدم الراسخ في العبادة ذكره السيد أبو بكر بن أبي القاسم في نفحة المندل فقال فقيه أديب فطن لبيب حسن المحاضرة جيد المذاكرة وله همة علية في تحصيل فنون العلم وخطة في نهاية الحسن وكذا تجليده الكتب ويحسن غير ذلك من الصناعات كالصياغة لجودة فهمه وحدة ذكائه وله نقد صائب في الشعر بحيث يعرف جيده من رديه وشعره جيد وكان مسكنه المنيرة وكانت وفاته في عشر الأربعين وألف.
عبد الله بن أحمد بن حسين بن الشيخ عبد الله العيدروس ذكره الشلي وقال في وصفه صاحب الكرامات الظاهرة والكشف الجلي له قدس اللاهوت وعالم الملكوت صحب جماعة من أعيان الصوفية منهم والده أحمد والشيخ أحمد بن علوي باجحدب والفقيه علي بن أحمد السياح ابن عبد الله الصافي بافرج وغيرهم وسافر إلى مكة المشرفة مصاحبا لأخيه محمد فحجا حجة الإسلام وسبب سفرهما محنة لحقتهما وكانت سببا للحج وسئلوا الإقامة باليمن فلم يجيبوا ولما عاد إلى تريم ظهرت عنه عجائب وغرائب وانتفع به الناس وصحبه خلق كثير وكان من أخص الناس بصحبته أحمد ابن أخيه محمد وكانت ترد عليه أحوال عظيمة تخرجه عن شعوره فيصيح بأعلى صوته وربما حصل له شطح ويأمر بالسماع بضرب الدفوف ويدور بأهل السماع في الأزقة بالليل إلى الفجر وكان ذا كلف بالنساء فتزوج عدة زوجات وتوسع في أفخاذهن وخلط في جنوسهن فانتهى في ذلك إلى أمد لم يبلغه أحد من نظرائه وولد له أولاد كثيرون وأما الذي صح عنه من الكرامات وصحة الفراسات واستجابة الدعوات فأمر مشهور متداول بين الناس وله مكاشفات كفلق الصبح من جملتها أنه ما جاءه طالب إلا رجع بمطلوبه وما ضاع لأحد شيء وأتى إليه إلا طفر به وما أضمر أحد شيئا إلا أخبره بضميره وما استغاث به أحد من أهل المشرق والمغرب إلا أغاثه الله ببركاته وبشر غير واحد بالجنة فكف بصرهم وتاب جماعة من الفساق بدعائه لهم وله في ذلك حكايات يطول شرحها بل ما من أحد من أهل العصر من أهل تلك الجهة إلا ويحفظ له عدة حكايات وترجمه تلميذه الشيخ شيخ بن عبد الله العيدروس في السلسلة قال وكان فرد أهل زمانه ممن وهبه الله الاطلاع على أسرار الأولياء وله القدم الراسخ في منازلات العارفين وكان ذا هيبة وسطوة قل أن يرقد من الليل إلا القليل وكان يحب السماع وربما أخذ الدف وضربه بيده وله قبول عند الخاص والعام وكانت وفاته نهار الأربعاء لثمان خلون من المحرم سنة خمس وعشرين وألف. (2/138)
عبد الله بن أحمد بن حسين بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس الإمام الكبير أحد كبراء العلماء بإقليم حضرموت وكان شاعرا ناثرا ظريفا له لطف طبع قال الشلي في ترجمته ولد بمدينة تريم في سنة اثنتين بعد الألف وتربى في حجر الولاية وحفظ القرآن والإرشاد والملحة وطلب من صباه واعتنى اعتناء لم يشاكله فيه مثله وأخذ أولا عن والده ولبس منه الخرقة ولازمه إلى أن مات وتفقه على الفقيه فضل بن عبد الله بن فضل بن سالم والقاضي أحمد بن خبل وأخذ عن شيخ الزمان أبي بكر بن عبد الرحمن علم الحديث والتفسير والعربية والمعاني والبيان وألقت إليه أقرانه مقاليد التسليم وأخذ علم الطريقة والتصوف عن الجلة منهم الشيخ زين العابدين وكان يحبه ويثني عليه وزوجه بابنته ومن مشايخه شهاب الدين القاضي أحمد بن حسين وشيخ السادة الشيخ عبد الرحمن السقاف وارتحل لزيارة الجد الأعلى أحمد بن عيسى وأخذ عن السيد الكبير أحمد بن محمد الحبشي ومشايخه كثير وانتفع به خلق قال الشلي وصحبته زمانا طويلا واستفدت منه وكان بينه وبين الوالد مودة شديدة وكان هو وشيخنا عمر بن حسين رفيقين في الطلب وكانا فرسي رهان إلا أن صاحب الترجمة يفوق في الحفظ والإتقان وكان يخرج بأصحابه النجباء إلى محله الشهير بالشبير بضم الشين مصغرا ويجري فيما بينهم مفاكهات وكان ممن جمع له الحفظ والفهم وكان حسن الشعر والنثر إماما في العلوم الشرعية عالما بالعربية وفنون الأدب وكان من أعرف الناس بعلم الأنساب والحساب والفرائض حافظ للسير والأمثال يستشهد بها في محاضراته وكان يتبع أحوال كل إقليم ويسأل عن مراتبهم وأحوالهم كثير الفحص عن فضائلهم وله اعتناء بمطالعة الكتب وإبراز خفياتها وهو مع ذلك سالك طريق القوم متمسك بالسبب الأقوى من الزهد والعبادة وشاع ذكره وقصدته الناس واتفق أهل عصره على أنه لم يغضب على مخلوق ولم يتكلم على أحد بما يكره وأنه ما سئل شيئا فقال لا وبالجملة فقد شهد له أهل زمانه بأنه لم ير مثله وكانت وفاته في سنة ثلاث وخمسين وألف وعمره إحدى وخمسون سنة.
الشريف عبد الله بن الحسن بن أبي نمي صاحب مكة كان سيدا جليلا عظيما صالحا ولي مكة بعد ابن أخيه الشريف مسعود وهو أكبر آل أبي نمي بالاتفاق من الأشراف وأمراء السلطان وكان قد تخلف عن الجنازة لذلك بعد أن امتنع من القبول فألزموه بذلك حقنا لدماء العالم وما زالوا به حتى رضي وحصل بولايته الأمن والأمان وكان الاجتماع لذلك في السبيل المنسوب لمحمد بن مزهر كاتب السر الكائن في جهة الصفا المعروف علوه في زماننا بسكن الشيخ علي الأيوبي واستمر إلى أن حج بالناس سنة أربعين وألف ثم في المحرم سنة إحدى وأربعين خلع نفسه من الولاية وولى ولده محمد وأشرك معه زيد بن محسن كما أسلفناه وتوجه إلى عبادة ربه إلى أن توفي ليلة الجمعة عاشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة فكانت مدة ولايته تسعة أشهر وثلاثة أيام. (2/139)
عبد الله بن حسين بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد الله بن محمد الشهير بمولى عيديد يعرف كسلفه ببا فقيه صاحب مدينة كنور أحد علماء الإسلام الكبار ذكره الشلي وقال ولد بتريم وحفظ القرآن على الفقيه المعلم محمد باعائشة وحفظ الجزرية وقرأها عليه وحفظ بعد الإرشاد والملحة والقطر وعرضها على مشايخه وتفقه بوالده حسين وأخذ عدة علوم عن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين منها الحديث والعربية وأكثر العلوم الأدبية وأخذ الفقه عن الشيخ عبد الرحمن بن علوي بافقيه ومن مشايخه عبد الرحمن السقاف ابن محمد العيدروس والقاضي أحمد بن حسين والقاضي أحمد بن عمر عيديد والشيخ أحمد بن عمر البيتي والشلي الكبير وأخذ التصوف عن أكثر مشايخه المذكورين ولبس الخرقة من غير واحد وجد في الطلب واعتنى بعلوم الأدب حتى اشتهر أمره وبعد صيته ثم دخل الهند واجتمع في رحلته هذه بكثير من أرباب الفضل والحال ثم قصد مدينة كنور وأخذ بها عن السيد الكبير ابن محمد بن عمر بافقيه وغيره وحصل له قبول تام عند صاحبها الوزير عبد الوهاب وكان صاحب الترجمة إذ ذاك شابا فرغب في صهارته وزوجه بابنته وأعطاه دست الوزارة فنصب نفسه للتدريس والإقراء ونفع العالمين فشاع ذكره شرقا وغربا وكان لا يقاوم في المناظرة وألف تآليف عديدة منها شرح الأجرومية وشرح الملحة ومختصرها وشرح مختصره وله رسائل بديعة وكان في صناعة النظم والنثر حاز قصب السباق وله قصائد غريبة قال الشلي ورأيت له رسائل وأنا صغير أتى فيها بما لم يسبق إلى مثله كان أرسلها إلى سيدي الوالد ولم يتفق لي إلى الآن الوقوف على شيء من مؤلفاته ولا قصائده ولم يقدر لي الله الاجتماع به في رحلتي إلى الهند وكان من علو همته لا يسمع بشيء إلا أحب أن يقف على أصله ومادته ويتطلب أربابه من سائر الآفاق حتى أحكم على الرمل والهيئة والأسماء والأوفاق واجتهد في علم الكيميا غاية الاجتهاد ويقال أنه ناله وكان مع ذلك كله ذا قدم راسخة في الصلاح والتقوى والدين مقبلا على الطاعة وله خلق حسن وعذوبة كلام ولين جانب لا يزال مسرورا وكان آية في الكرم كثير الإحسان وكان ينفق نفقة السلطان ويسكن العظيم من الدور ويركب الخيل الجياد وهو قائم بنفع العباد عاكف على طلبة العلم ولم تطل لياليه حتى مات وهو في الوزارة.
عبد الله بن الحسين اليزدي صاحب التحقيقات علامة زمانه بغير دفاع وخاتمة محققي العجم من غير نزاع لم يدانه أحد في عصره منهم في جلالة القدر وعلو المنزلة وكثرة الورع وكان منهمكا على المطالعة والاشتغال بالعلم ومنحه لمستحقيه وكان مبارك التدريس ما اشتغل عليه أحد إلا انتفع به وكان عظيم الهيئة نير الصورة شديد الخوف والخشية ذا سكينة وإنصاف في البحث وأخذ عنه خلق لا يحصون منهم بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي والميرزا إبراهيم الهمداني وولده حسن علي وله مؤلفات مفيدة سهلة العبارة مع الوجازة منها شرح القواعد في الفقه وشرح العجالة وحاشية على الشرح المختصر على التلخيص للسعد وحاشية على حاشية العلامة الخطائي على الشرح المذكور وشرح على تهذيب المنطق للسعد وكلها مرغوبة ممتعة قد رزقه الله تعالى فيها القبول وكانت وفاته في سنة خمس عشرة بعد الألف بمدينة أصبهان.
عبد الله بن زين بن محمد بن عبد الرحمن بن زين بن محمد مولى عيديد الفقيه الأجل الإمام النظار قال الشلي ولد بتريم وحفظ القرآن ثم طلب العلم وحفظ الجزرية والعقيدة الغزالية والأربعين النواوية والملحة والقطر والإرشاد وعرض محفوظاته على العلماء الأجلاء وتفقه على القاضي أحمد بن حسين ولازمه إلى أن تخرج به وبرع وجمع من الفوائد شيئا كثيرا وأخذ عدة علوم منها الحديث والتفسير والعربية عن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن وأخذ عن أخيه محمد الهادي التصوف والحديث ومن مشايخه الشيخ عبد الرحمن بن محمد العيدروس والشيخ عبد الرحمن بن علوي بافقيه وغيرهم وكان في الحفظ منقطع القرين لا تغيب عن حفظه شاردة وكان أجمع أقرانه للفقه وأبرعهم فيه وأذن له غير واحد من مشايخه بالإفتاء والتدريس فدرس وأفتى وانتفع به جماعة قال الشلي وحضرت دروسه وقرأت عليه بعض الإرشاد وحضرت بقراءة غيري فتح الجواد وكان آية في الفروع والأصول محققا وما شهدت الطلبة أسرع من نقله وكان علمه أوسع من عقله ولما حفظ الإرشاد جميعه حصل له خلل في سمعه واشتهر عند العوام أن من حفظ الإرشاد كله ابتلي بعلة ولذا كان كثير ممن حفظه يترك بعضه وكان حسن المناظرة قال ووقع بينه وبين شيخنا القاضي عبد الله بن أبي بكر الخطيب مناظرات في مسائل مشكلات وربما تناظرا أكثر الليل وكان صاحب جد في الدين وكان ذا هدى ورشاد وصلاح معرضا عن الرين حسين الصيت نير الوجه والسريرة بصير القلب والبصر متقللا من الدنيا وارتحل من بلده تريم ودخل الهند وأخذ عن السيد الجليل عمر بن عبد الله باشيبان علوم الصوفية والأدب وأخذ السيد عمر عنه العلوم الشرعية وطلب منه السيد عمر أن يقيم عنده والتزم بما يحتاجه فقال حتى اجتمع بمن في الهند من المحققين فقصد مدينة بيجافور واجتمع فيها بالشيخ أبي بكر بن حسين بافقيه أخي شيخه القاضي بافقيه وأخذ عن هذين علوم التصوف والحقيقة وجلس يدرس أياما ثم مات بمدينة بيجافور ودفن عند قبور بني عمه من السادة رضوان الله عليهم. (2/140)
عبد الله بن سالم بن محمد بن سهل بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوي بن محمد مولى الدويله اشتهر جده عبد الرحمن بصاحب خيله الشيخ الصوفي الكبير أحد أركان حضرموت ذكره الشلي وقال في حقه ولد بتريم وأخذ عن الأئمة الكبار وصحب العلماء العارفين وحفظ القرآن وأخذ عن السيد الجليل محمد بن عقيل وطب والشيخ عبد الله بن شيخ والقاضي عبد الرحمن بن شهاب الدين والسيد سالم بن أبي بكر الكاف وغيرهم ولازم الأخير ملازمة تامة وبرع في التصوف والحقائق ولبس الخرقة من جماعة من مشايخه واعتنى بعلم الحديث وسلك منهاج الصالحين من السلف من الزهد والتقوى والتقشف مع الورع الزائد ورحل إلى اليمن وأخذ بها عن جماعة ثم رحل إلى الحرمين وجاور بمكة سنين وأخذ بها عن جماعة من العارفين منهم الشيخ الكبير إبراهيم البنا تلميذ العارف بالله عبد الله بن محمد بافقيه والشيخ أحمد بن علان والسيد عمر بن عبد الرحيم البصري والشيخ سعيد بابفي وغيرهم ثم عاد إلى تريم ولما قدمها قال الشيخ عبد الله بن شيخ العيدروس قدم تريم صاحبها وأقام بها مدة يسيرة ثم توجه إلى الحرمين وأقام بهما سبع سنين وصحب جماعة من العارفين وأخذ عن غير واحد من المستوطنين والواردين منهم الشيخ الكبير العلم الشهير تاج العارفين سيدي محمد بن محمد البكري وحضر درس الشيخ الإمام الشمس محمد الرملي ولما دخل على تاج العارفين قرأ له قوله تعالى أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه وهذه عادته رضي الله عنه يقرأ لمن دخل عليه من العارفين آية مناسبة لحاله ومقامه وتجرد صاحب الترجمة للقيام بوظائف العبادة والإمعان في الرياضات ولما رجع إلى تريم نصب نفسه للإرشاد وحصل به نفع عام وتخرج به خلق كثير منهم ولده سالم والشيخ عبد الرحمن إمام السقاف والشيخ محمد بن عبد الله الغصن وكان هو والسيد الجليل أحمد بن محمد الحبشي رفيقين في الطلب من الصغر لا يفترقان ومن أوصاف صاحب الترجمة أنه كان حابسا نفسه عن أرباب الدنيا لا يقبل منهم هدية بل كان غنيا بما رزقه الله تعالى وكان قوته كفافا ولما قال له بعض أهل الأهل الدنياأهل
أهل الدنيا أريد أشتري لك نخلا ينتفع به أولادك ولا يكونون كلا بعدك فقال قد تكفل برزق الأولاد خالق العباد وله كرامات يظهرها عند الحاجة منها أن بعض بنات الدنيا عيرت بعض بناته بالفقر فأخبرته بذلك فقال لها سيفتح الله عليكم بما يغنيكم ويحتاج غيركم إليكم فكان الأمر كما قال فتح الله على بناته حتى احتاجت تلك البنت التي عيرتهن إلى أن تستعير منهن الحلي في مهماتها ولم يزل على طريقته المحمودة حتى توفي وكانت وفاته في سنة ثمان وأربعين وألف ودفن بمقبرة زنبل. (2/141)
عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن أبي بكر باقشير المكي أستاذ الأستاذين وكبير علماء قطر الحجاز في عصره وكان أديبا باهرا وشاعرا ماهرا ذكره السيد علي في السلافة فقال في وصفه خاتمة أئمة العربية وقائد صعابها الأبية ومن له فيها المزية العظمى والمحل الرفيع الأسمى مع تعلق بسائر الفنون وتحقق صدق به الظنون ورتبة في الأدب معروفة وهمة إلى تأثيل الفضل مصروفة رأيته غير مرة بالمسجد الحرام في حلقة درسه وهو يجني الأسماع من روض فضله ثمار غرسه وقد أصغت الإسماع إليه وجثت الطلبة على الركب بين يديه وذكره الشلي في تاريخه المرتب على السنين وبالغ في وصفه جدا ثم قال ولد بمكة في سنة ثلاث بعد الألف وحفظ القرآن والشاطبية وجوده وأحكم علم التجويد والقراآت وجد في الاشتغال حتى وصل إلى مرتبة لم ينلها أحد غيره من أهل عصره وكان على اختصاصه بحل الفنون أديبا إليه النهاية متميزا في المعارف والآداب أخذ عن أئمة عديدة من أهل مكة منهم السيد عمر بن عبد الرحيم البصري والإمام عبد القادر الطبري وعبد الملك العصامي والشيخ أحمد بن علان وأحمد الحكمي ومن الواردين عن البرهان اللقاني وكان قوي الذكاء والفهم طلق اللسان خاشع القلب صادعا بالحق ندى القلم وجلس للتدريس فلزمته الطلبة وأنجب تلاميذ أفاضل واتفق له أنه أقرأ التحفة لابن حجر درسا عاما بالمسجد الحرام إلى أن ختمها ثم أعاد قراءتها إلى أن وصل فيها إلى باب الإجازة فتوفي ففيه إشارة إلى ثبوت الأجر له إن شاء الله تعالى فكمل ولده العلامة سعيد على قراءة والده حتى وصل إلى باب الجعالة ثم توفي إلى رحمة الله تعالى وثبت له الجعل من الله تعالى إذ لم يكن لهما معلوم على تدريسهما وهذا من لطيف الاتفاق ذكر ذلك بعض تلامذتهما وكان من عجائب الدهر كتب الكثير وحشى الحواشي وعلق التعاليق النفيسة والفتاوى العجيبة وكان كثير المحفوظ لطيف الأخلاق منور الشيبة كثير الوقار قليل الكلام طارحا للتكلف جميل العشرة كثير التودد للناس قوي الهمة في الاشتغال مع الطلب بأدب وحفظ السان وحسن تصرف في الكلام وإحسان واعتراف وإخلاص طوية لا يقصد إلا وجه الله تعالى وانتفع به خلق كثير من أهل مكة واليمن والشأم والعراق وصنف التصانيف المقبولة منها مختصر الفتح شرح الإرشاد والتزم فيه ذكر خلاف التحفة والنهاية والمغني لكنه لم يتم واختصر نظم عقيدة اللقاني وشرح نظمه واختصر تصريف الزنجاني نظما وشرحه شرحاص مفيدا ونظم الحكم وشرحه ونظم آداب الأكل وشرحه ومن شعره قوله
جاذبتها طرق الحديث مفاكها ... فأبت سوى التهديد والتعنيف
ورجوت منها الوصل لمحة ناظر ... لأفوز بالتكريم والتشريف
فكأنها التنوين رام إضافة ... للصرف أو لإزالة التعريف
وقوله:
يا رب ما أمرضت من مسلم ... فنجه من ثقل العائد
فإنه أعظم مما به ... ولم يقد رمرمن الجامد
وقوله:
مناصب العز بأيدي الرعاع ... من ذكرها ينقصم الظهر
يا زمنا نكس أعلامه ... ملاذ من تمتحن الصبر
وحذا حذوه صنوه محمد بن سعيد فقال
مناصب العز لمن لا يرى ... إلا فتى جلبابه الصبر
فإن عن الكونين باق به ... تغبطه العزة والفقر
يعمل شكرا وكثير الورى ... يبعثه للعمل الشكر
وكانت وفاته يوم الاثنين لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وألف وتوفي قريبا منه أخوه ووالده ودفنوا كلهم بالمعلاة رحمهم الله تعالى
السيد عبد الله بن سيف الله السيد الشريف المعروف بابن سعدي القسطنطيني أحد الموالي الأجلاء الأديب المنشئ الشاعر المتخلص على دأب شعراء الروم بفائزي كان فاضلا أديبا جسيما وسيما حسن النظم والنثر في الألسنة الثلاثة عارفا بنقد الشعر وأساليبه وله الشهرة التامة بالمعرفة والتفنن لقي كثيرا من الفضلاء وأخذ عنهم ولازم من شيخ الإسلام يحيى بن زكريا ورد دمشق في خدمة أبيه لما صار قاضيا بالقدس مدرستين وهما التنكزية والمأمونية ورجع من المرة الثانية في سنة إحدى وثمانين وألف ودخل دمشق وأخذ عنه جماعة من أهلها ثم رحل إلى ثم بعد عوده إلى الروم درس بمدارس دار الخلافة إلى أن وصل إلى مدرسة موصلة السليمانية فجرى بينه وبين عمر بن سعدي القرماني المدرس امتحان في مجلس المفتي الأعظم وكان القرماني المذكور قليل البضاعة جدا لكن ساعده القدر بسبب انفعال السيد عبد الله من اقترانه به فتلاشى في البحث وظهر القرماني عليه فقدم عليه إلى المدرسة السليمانية وكان كثيرا ما يتمثل بعد هذه الواقعة بالبيتين المشهورين وهما (2/142)
إن أصلي وذكائي ... من مرادي حرماني
ليتني كنت من التر ... ك جهولا قرماني
ثم بعد مدة وصل إلى السليمانية ودار الحديث وولي منها قضاء سلانيك في سنة اثنتين وسبعين وألف وتعصب عليه طائفة من أهلها فاشتكوا منه إلى السلطان ونقموا عليه أشياء فعزل في مدة جزئية وخرج خط شريف فيه بأن لا يلي القضاء بعدها فبقي مدة وقد ضربت العزلة عليه حجابها وانقطع عن الناس وضاق حاله من تكدر عيشه وتشتت حواسه حتى ولي شيخ الإسلام يحيى المنقاري منصب الفتا فأنقذه من ذلك الحال وشفع له عند السلطان بتوليته قضاء بروسه ثم نقله في مدة جزئية إلى إزمير فقوى رياشه وحسن معاشه ثم بعد مدة ولاه قضاء مكة المشرفة فورد دمشق في منتصف شعبان في سنة ثمان وسبعين وألف ورأيته بها فرأيت أديبا كامل الأوصاف قوي البداهة والحافظة إلا أن طبعه خارج عن الطباع لما فيه من شدة الحرارة فقد شاهدته في بحبوحة الشتاء واستحكام برد الشأم يجلس كاشفا رأسه وكأنما بخار الحرارة الصاعد من رأسه دخان مدخنة حمام ولا يستقر لحظة إلا ويتطلب ثلجا فيأكله بنهمة وكان بينه وبين والدي المرحوم مودة سالفة وصحبة قديمة فتقيد برعاية جانبه وسمعت والدي بقول وقد سئل عنه كأنما البلاغة تؤخذ عن لفظه والآداب ترنو عن لحظه وكان جرى بينهما مطارحات ومراسلات كثيرة من جملتها قصيدة كان والدي كتب إليه بها ومطلعها
يا ساكنا بشغافي ... وعن عيوني خافي
طولت مدة بيني ... وبعضها كان كافي
كدرت بالبعد عيشي ... من بعد ما كان صافي
لهفي لطيب ليال ... مرت لنا بالتصافي
حيث الشباب قشيب ... والدهر فيه موافي
وسالف من زمان ... تدار فيه سلافي
من كف ريم كغصن ... يميل بالأعطاف
يزهو بوردي خد ... يزري بورد القطاف
زمان لهو تولى ... بروضة ميناف
تسقى من السحب وبلا ... بعارض وكاف
يا دهر رفقا بصب ... حتى متى ذا التجافي
وعدتني بالأماني ... فكن بوعدك وافي
واسمح برؤية مولى ... سليل عبد مناف
ذاك الهمام المفدى ... وسيد الأشراف
كم حل مشكل بحث ... بلفظه الكشاف
مولاي يا بحر فضل ... طام من الجود طافي
وفائزا بقواف ... قد أعجزت ابن قاف
يا مفرد الروم حقا ... وجامع الألطاف
أنت الغني بمدحي ... عن كثرة الأوصاف
فلا تظن بأني ... لسابق الود جافي
لو كنت أعلم صبري ... لكن أمري خافي
لكان سعيي إليكم ... وفي حماكم طوافي
فربع غيرك عندي ... مولاي كالأعراف
إن رمت تفصيل حالي ... من الزمان المجافي
ما إن تمنيت شيئا ... إلا أتى بالخلاف
من جوره ضاق صدري ... فسحت في الأرياف (2/143)
صحبت بالرغم مني ... قوما من الأجلاف
حتى حللت بمصر ... من بعد قطع الفيافي
فلم أجد لي فيها ... غير الثلاث الأثافي
فلا صديق صدوق ... ولا حبيب يوافي
هذا زمان عجيب ... ما فيه خل مصافي
والفضل قد صار ذنبا ... وللرواج منافي
عسى الإله قريبا ... يمن بالإسعاف
بجاه خسير البرايا ... والآل أهل العفاف
واعذر بفضلك فضلى ... ضاقت علي القوافي
ودم بسعدك ترقى ... لمنهل لك صافي
ما غرد الورق شجوا ... على غصون الخلاف
مفكرا عهد صب ... نأى عن الأحلاف
فراجعه عنها بهذه القصيدة ومطلعها
يا خير خل مصافي ... لا زال وردك صافي
أين الزمان الذي قد ... كانه في التصافي
ما بيننا غير ود ... ما بيننا من خلاف
طورا نرى من رياض العلوم في الاقتطاف
وتارة من بحار القريض في الاغتراف
كنا كمثل الثريا ... بصحبة وائتلاف
فصيرتنا بنات النعش الليالي الجوافي
بيتا نروض بروض ... يوما مع الأحلاف
وطيره في وفاق ... ولحنه في خلاف
إذ صاح منها غداف ... تعسا لذاك الغداف
فبان كل عن الألف وهي ذات آلاف
قد انصرفنا بصرف الزمان أي انصراف
كل امرئ صار في جانب من الأكناف
ألقى الزمان المعادي الأ ... حباب في الأطراف
أرجو لما فات من ذ ... لك التلاف التلافي
عساي نحو دمشق ... عما قليل أوافي
عسى ليال تقضت ... يعدن بالإسعاف
آه عليها فآه ... قد أسرعت في التجافي
مضت سريعا وولت ... كمثل دهم خفاف
مرت كخاطف برق ... وطرن كالخطاف
تبعتها لو أعانت ... قوادمي والخوافي
قد كن شام زماني ... كالشأم في الأرياف
دمشق أعني ودامت ... مخضرة الأكناف
قد خصها الله بين البلاد بالألطاف
شوقي لها كل يوم ... يزداد بالإضعاف
أصبو إلى بداها ... بلوعة والتهاف
ولو قدرت إليها ... أسرعت رجلان حافي
نسيمها وهو ذو علة لدائي شافي
أنهارها لجيو ... ش الهموم كالأسياف
يزيد دمعي إذا ما ... ذكرت تلك الصوافي
بها حدائق فاقت ... في أحسن الأوصاف
تلك الحدائق تحكي ... صفات خلي المصافي
أخو وفاء يراعي ... إخوانه ويصافي
كل له مثبت الفضل ما له من نافي
مليك نظم ونثر ... ملاك أمر القوافي
الحل والعقد في كفه بغير خلاف
بجلق ذات فضل ... الله ذي الألطاف
يا من له كابن برد ... برد من الفضل ضافي
يا ظافرا بقواف ... أعيت عويف القوافي
أتحفتنا بقريض ... أحين بذا الإتحاف
أقرضت قرضا وأسلفت أحسن الأسلاف
فائية ما رأينا ... مثلا لها في القوافي
ما من سناد خليلي ... بها ومن إصراف
تزففت بكرا عروبا ... إلي خير زفاف
بختمها بلغتني ... مصونة في السجاف
صداقها صدق ودي ... حفظته في شغافي
أحببتها منذ دهر ... وأولعت بخلافي
علقتها ذات ظلم ... عديمة الإنصاف
عشقتها فغدت في ... هجري وفي إحصافي
قد أدنفتني زمانا ... وما لدائي شافي